تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
على قوله :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
[ البقرة : 74 ] بعض أسباب قسوة قلوبهم ، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد هذه ، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين ، من أهل الكتاب جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى :
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
( 110 ) [ آل عمران : 110 ] وقوله تعالى :
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
( 27 ) [ الحديد : 27 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً
[ 20 ] . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى :
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
[ الزمر : 21 ] ، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره . قوله تعالى :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 )
[ 22 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار وفي الأنفس ، من الأمراض والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس ، وقبل وجود المصائب ، فقوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها ،
الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة في ضمن قوله :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ
أو إلى المصيبة ، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله . وقوله تعالى :
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
( 22 ) أي سهل هين لإحاطة علمه وكمال قدرته . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من المصائب إلا وهو مكتوب عند اللّه قبل ذلك ، أوضحه اللّه تعالى في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
( 51 ) [ التوبة : 51 ] وقوله تعالى
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ التغابن : 11 ] وقوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
( 155 ) [ البقرة : 155 ] ، لأن قوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له جل وعلا قبل وقوعها ، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع ، ليكونوا مستعدين لها وقت نزولها بهم ، لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها ، ونقص الأموال والثمرات مما أصاب من مصيبة ، ونقص الأنفس في قوله : والأنفس ، مما أصاب من مصيبة في الأنفس ، وقوله في آية الحديد هذه
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ