لم نفعل ذلك رحمة بكم ، ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء الشرط ، وتقديره كما ذكرنا ، وقوله :
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
( 65 ) .
قال بعض العلماء : المعنى فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم .
وقال بعض العلماء : تفكهون بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإنفاق عليه كقوله تعالى :
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها
[ الكهف : 42 ] .
وقال بعض العلماء : تندمون على معصية اللّه التي كانت سببا لتحطيم زرعكم ، والأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 )
[ 68 - 70 ] .
تضمنت هذه الآية الكريمة امتنانا عظيما على خلقه بالماء الذي يشربونه ، وذلك أيضا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه ، والمعنى : أفرأيتم الماء الذين تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة ولو أعدمناه لهلكتم جميعا في أقرب وقت :
أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
( 69 ) .
والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا هو منزله من المزن ، ونحن لا قدرة لنا على ذلك . فيقال لهم : إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان باللّه وطاعته شكرا لنعمة هذا الماء ، كما أشار له هنا بقوله :
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
( 70 ) جاء في آيات أخر من كتاب اللّه كقوله تعالى :
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
( 22 ) [ الحجر : 22 ] ، وقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
( 10 ) [ النحل : 10 ] ، وقوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
( 49 ) [ الفرقان : 48 - 49 ] . وقوله تعالى :
وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
( 27 ) [ المرسلات : 27 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله هنا :
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
أي لو نشاء جعله أجاجا لفعلنا ، ولكن جعلناه عذبا فراتا سائغا شرابه ، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى . لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب ، جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
( 30 ) [ الملك : 30 ] وقوله تعالى
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
( 18 ) [ المؤمنون : 18 ] لأن الذهاب بالماء وجعله غورا لم يصل إليه وجعله أجاجا ،