تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير ، وقراءة قدرنا بالتشديد مناسبة لهذا الوجه ، وكذلك لفظة بينكم . الوجه الثاني : أن قدرنا بمعنى قضينا وكتبنا أي كتبنا الموت وقدرناه على جميع الخلق ، وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، وقوله تعالى :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
[ الفرقان : 58 ] ، وعلى هذا القول فقوله :
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ :
متعلق بمسبوقين أي ما نحن مغلوبين والمعنى وما نحن بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا فنحن قادرون على إهلاككم ، ولا يوجد أحد يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلا منكم . وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً
( 133 ) [ النساء : 133 ] وقوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ
[ الأنعام : 133 ] ، وقوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 19 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
( 20 ) [ إبراهيم : 19 - 20 ] . وقوله تعالى :
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
( 38 ) [ محمد صلى اللّه عليه وسلم : 38 ] ، وقد قدمنا هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ
الآية . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
( 61 ) ، فيه للعلماء أقوال متقاربة . قال بعضهم : ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات ، كأن ننشئكم قردة وخنازير ، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم . وقال بعضهم : ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات ، فنغير صفاتكم ونجمل المؤمنين ببياض الوجوه ، ونقبح الكافرين بسواد الوجوه وزرقة العيون . إلى غير ذلك من الأقوال . قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 )
[ 63 - 65 ] . تضمنت هذه الآية الكريمة برهانا قاطعا ثانيا على البعث وامتنانا عظيما على الخلق بخلق أرزاقهم لهم ، فقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
( 63 ) ، يعني أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها أي تحريكها وتسويتها أأنتم تزرعونه ، أي تجعلونه زرعا ، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركا صالحا للأكل أم نحن الزارعون له ، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال : أنت يا ربنا هو الزارع المنبت ، ونحن لا قدرة لنا على ذلك ، فيقال لهم : كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم ، وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث ، جاء موضحا في