وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا * جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وقوله :
يَوْمَ الدِّينِ
( 56 ) أي يوم الجزاء كما تقدم مرارا .
قوله تعالى :
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 )
[ 57 ] .
لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين ، وأمر اللّه رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين ، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم ، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال : نحن خلقناكم هذا الخلق الأول فلو لا تصدقون .
أي فهل لا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني ، لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى .
وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني ، جاء موضحا في آيات كثيرة جدا كقوله تعالى
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم :
27 ] ، وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
( 104 ) [ الأنبياء :
104 ] ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ الحج :
5 ] وقوله تعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] ، وقوله تعالى :
فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الإسراء : 51 ] ، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة ، وقد ذكرناها بإيضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة والنحل والحج والجاثية ، وغير ذلك من المواضع وأحلنا عليها كثيرا .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ
( 57 ) ، لولا حرف تحضيض ، ومعناه الطلب بحث وشدة ، فالآية تدل على شدة حث اللّه للكفار وحضه لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولا .
قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 )
[ 58 - 59 ] .
قد قدمنا قريبا كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف ، وذكرنا قبل هذا مرارا ، وقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ
( 58 ) يعني أفرأيتم ما تصبونه من المنيّ في أرحام النساء ، فلفظة ما موصولة ، والجملة الفعلية صلة الموصول ، والعائد إلى الصفة محذوف ، لأنه منصوب بفعل ، والتقدير : أفرأيتم ما تمنونه ، والعرب تقول : أمنى النطفة بصيغة الرباعيّ ، يمنيها بضم حرف المضارعة ، إذا أراقها في رحم المرأة ، ومنه قوله تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى
( 46 ) [ النجم : 46 ] ومنى يمنى بصيغة الثلاثيّ لغة صحيحة . إلا أن القراءة بها شاذة .
وممن قرأ تمنون بفتح التاء مضارع في الثلاثيّ المجرد ، أبو السمال وابن السميقع ،