اختلف العلماء في معنى قوله
لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) ، فقال بعضهم المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء ، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة اللّه حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه قوله تعالى :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
( 89 ) [ الأنعام : 89 ] ، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان .
وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم .
وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي : فإن قتلوكم فاقتلوهم ، من القتل لا من القتال ، وقد بينا هذا في مواضع متعددة ، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر :
فسيف بني عبس وقد ضربوا به * نبا من يدي ورقاء عن رأس خالد
فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابيّ ، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسيّ .
وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
[ الحجرات : 14 ] الآية بدليل قوله :
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
- إلى قوله -
سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 99 ) [ التوبة : 99 ] .
وقال بعض العلماء : معنى قوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) . أي « إلا ليقروا لي بالعبودية طوعا أو كرها » ، لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه ، وهذا القول رواه ابن جرير « 1 » عن ابن عباس واختاره ، ويدل له قوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
[ الرعد : 15 ] الآية ، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل للّه جل وعلا ، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعا وبعضهم يفعله كرها .
وعن مجاهد أنه قال :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) أي إلا ليعرفوني . واستدل بعضهم لهذا القول بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزخرف : 87 ] ونحو ذلك من الآيات .
وهو كثير في القرآن ، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] .
وقال بعض أهل العلم : وهو مروي عن مجاهد أيضا معنى قوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره ، وعلى هذا القول : فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله :
لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) إرادة دينية شرعية وهي الملازمة
هامش
( 1 ) جامع البيان 27 / 8 .