فالظاهر أن الإمام مالكا رحمه اللّه ومن وافقه من أهل العلم ، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة ، بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس .
وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدا بيد .
وأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه ، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم .
وقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما .
والمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكا خالف فيها السنة المعروفة منها ما ذكرنا .
ومنها مسألة سجود الشكر وسجدات التلاوة في المفصل .
وعدم الجهر بآمين ، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ، وعدم قول الإمام :
ربنا ولك الحمد .
وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر .
وترك السجدة الثانية في الحج وغير ذلك من المسائل .
وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها ، وأن بعضها لم يبلغه ، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه .
وقد يكون مع غيره ، كما قال مالك نفسه رحمه اللّه :
كل كلام فيه مقبول ومردود ، إلا كلام صاحب هذا القبر .
وهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار آحاد .
لأن القرآن أقوى سندا وإن كانت السنة أظهر دلالة ، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة لأنه يقدم عموم
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] الآية . حديث « أحلت لنا ميتتان ودمان » « 1 » الحديث ، وقدم عموم قوله تعالى
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
[ الأعراف :
55 ] الآية . على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين لأن التأمين دعاء ، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة .
فالآية أقوى سندا وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع . ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا .
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عمر ابن ماجة في الأطعمة حديث 3314 .