لا بالأبدان .
وقوله تعالى :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
( 4 ) [ البينة : 4 ] فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد .
فلا يشترط أن يكون بالأبدان :
وحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس ، هذا كثيرة معروفة .
منها ما هو في آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
[ البقرة :
282 ] ، وقوله :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
[ المائدة : 1 ] ، وقوله :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
[ النساء : 29 ] .
ومنها ما هو بغير ذلك .
وليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها ، وإنما غرضنا المثال .
لأن الإمام قد يترك نصا بلغه لاعتقاد أن ما ترك من أجله النص أرجح من نفس النص ، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه فينظر في الأدلة ، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضى اللّه .
كما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة ، لا يفتي بقول مالك في هذا .
مع أنه عالم مالكي ، لأنه رأى الأدلة واضحة وضوحا لا لبس فيه ، في أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان .
وقد صرح بذلك جماعة من الصحابة منهم ابن عمر راوي الحديث ، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة .
ولا شك أن المنصف إذا تأمل تأملا صادقا حاليا من التعصب عرف أن الحق هو ثبوت خيار المجلس .
وإن المراد بالتفرق التفرق في الأبدان لا بالكلام .
لأن معنى التفرق بالكلام هو حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشتري .
وكل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول الإيجاب والقبول .
فحمل كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على هذا ، حمل له على تحصيل حاصل ، وهو كما ترى .
مع أن حمل الكلام على هذا المعنى يستلزم أن المراد بالمتبايعين في الحديث المتساومان ، لأنه لا يصدق عليهما اسم المتبايعين حقيقة إلا بعد حصول الإيجاب والقبول .