وقد قدم مالك رحمه اللّه دليل القرآن فيما ذكرنا كما قدمه أيضا في الثانية من سجدتي الحج لأن نص الآية الكريمة فيها كالصريح في أن المراد سجود الصلاة ، لأن اللّه يقول فيها .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
[ الحج : 77 ] .
فذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة .
والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة كقوله :
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
( 2 ) [ الكوثر : 2 ] .
ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
( 98 ) [ الحجر : 98 ] .
قالوا لأن معنى قوله :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
أي صل لربك متلبسا بحمده ، وكن من الساجدين في صلاتك .
ولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا
الآية . أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
( 98 ) .
ثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة رحمهم اللّه لا يلحقهم نقص ولا عيب فيما أخذ عليهم ، لأنهم رحمهم اللّه بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم ، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته ، والمخطىء منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه ، ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم رحمهم اللّه ، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يجب تقديمهما على أقوالهم ، لأنهم غير معصومين من الخطأ ، وأن مذاهبهم المدونة لا يصح ولا يجوز الاستغناء بها عن كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن على كل مسلم قادر على التعليم أن يتعلم الكتاب والسنة ، ومعرفة مذاهب الأئمة تعينه على ذلك ، والنظر فيما استدل به كل منهم يعينه على معرفة أرجح الأقوال وأقربها إلى رضى اللّه .
وكذلك الشافعي وأحمد رحمهما اللّه ، فإن كل واحد منهما لا يخلو من شيء قد أخذ عليه ، ومرادنا هنا التمثيل لذلك ، وأن الوحي مقدم على أقوالهم جميعا ، وليس قصدنا الإكثار من ذلك .
وهذه أمثلة بالمطلوب وكان الشيخ رحمه اللّه أرجأ إيرادها فنذكرها على ما هو ظاهر من المذهبين ونرجو أن تكون موافقة لما أراد . وباللّه التوفيق .
فمما هو في مذهب أحمد رحمه اللّه صوم يوم الشك وهو يوم الثلاثين من الشعبان حينما يشك فيه هل هو تمام شعبان أو أول رمضان . وذلك حينما تكون السماء مغيمة خشية أن يظهر الهلال خلف الغيم أو القتر .