وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال .
وفي الحديث « شاهداك أو يمينه » « 1 » وهو حديث صحيح .
فالأخذ بشهادة الشاهد إذا من العمل بكتاب اللّه وسنة رسوله لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليدا أعمى .
الوجه الثاني : أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي ، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي .
ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس ، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل .
فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس .
وأن الثاني لا يوجبه ، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعا به .
لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا اللّه .
مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه .
فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه .
فالشاهد إن أخبر عن محسوس ، وكان عدلا ، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعا لا يتطرق إليه الشك ، بخلاف المجتهد ، فإنه عدل أخبر عما ظنه ، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى .
وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد .
وتقليد الأعمى في القبلة .
وتقليد المؤذنين في الوقب والمترجمين والمعرفين ، والمعدلين ، والمجرحين .
وتقليده المرأة في طهرها ، فهو كله ظاهر السقوط أيضا .
لأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة .
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود : البخاري في الرهن في الحضر حديث 2515 و 2516 ، ومسلم في الأيمان حديث 221 .