تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
مسألة دلت هذه الآيات الكريمة ، المذكورة هنا ، كقوله تعالى :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
[ الزخرف : 32 ] الآية . وقوله
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ
[ النحل : 71 ] الآية ونحو ذلك من الآيات ، على أن تفاوت الناس في الأرزاق ، والحظوظ سنة ، من سنن اللّه السماوية الكونية ، القدرية ، لا يستطيع أحد من أهل الأرض ، البتة تبديلها ، ولا تحويلها ، بوجه من الوجوه ،
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
( 43 ) [ فاطر : 43 ] . وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود اللّه ، ولجميع النبوات ، والرسائل السماوية ، إلى ابتزاز ثروات الناس ، ونزع ملكهم الخاص ، عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس ، في معايشهم أمر باطل . لا يمكن بحال من الأحوال . مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون . وإنما يقصدون استئثارهم ، بأملاك جميع الناس ، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها ، كيف شاءوا ، تحت ستار كثير من أنواع الكذب ، والغرور والخداع ، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم ، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم . فالطغمة القليلة الحاكمة ، ومن ينظم إليها ، هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد . وغيرهم من عامة الشعب . محرومون من كل خير . مظلومون في كل شيء . حتى ما كسبوه بأيديهم ، يعلفون ببطاقة ، كما تعلف البغال والحمير . وقد علم اللّه جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى ، وأوعد من لم ينته عن ذلك ، بقوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
( 135 ) [ النساء : 135 ] . وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
( 135 ) [ النساء : 135 ] فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك . قوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 )
[ 33 - 35 ] . قوله لبيوتهم ، في الموضعين ، قرأه ورش وأبو عمرو وحفص ، عن عاصم ، بضم الباء على الأصل . وقرأه قالون ، عن نافع وابن كثير ، وابن عامر ، وحمزة والكسائي ، وشعبة عن عاصم