وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] .
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
( 149 ) [ الأنعام : 149 ] .
وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء .
ومن أعظم الضرويات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية ، كحركة المرتعش فرقا ضروريا ، لا ينكره عاقل .
وأنك لو ضربت من يدعي أن الخلق مجبورون ، وفقأت عينه مثلا ، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر ، فقلت له : أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك ، بل هو فعل اللّه ، وأنا لا دخل فيه فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك .
بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلا :
إن هذا بإرادتك ومشيئتك .
ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية ، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة اللّه ومشيئته ، أنه لا يمكن أحدا أن ينكر علم اللّه بكل شيء ، قبل وقوعه والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر .
وسبق علم اللّه بما يقع من العبد قبل وقوعه ، برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى .
وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري : إذا كان علم اللّه في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا ، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة اللّه ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم اللّه وقوعه ، فهل يمكنك أن تستقل بذلك ؟ وتصيّر علم اللّه جهلا ، بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له ؟
والجواب بلا شك : هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] ، وقال اللّه تعالى :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
( 149 ) [ الأنعام : 149 ] .
ولا إشكال البتة في أن اللّه يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك ، ثم يصرف اللّه بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور ولا يجور ، وغير مستقل به دون قدرة اللّه وإرادته كما قال تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] .
والمناظرة التي ذكرها بعضهم ، بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار المعتزلي توضح هذا .