تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 962

مساهمون:

ص٩٦٢
القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل » ، ثمّ قال : « والذي نفسي بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتموها » ، ثمّ زجرها ، فوثبت به ، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية ، على ثمد قليل الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبث الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم العطش . فانتزع سهما من كنانته ، ثمّ أمرهم أن يجعلوها فيه ، قال : فو اللّه ما زال يجيش لهم بالري ، حتى صدروا عنها . وفزعت قريش لنزوله عليهم ، فأحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه ، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم ، فقال : يا رسول اللّه ، ليس بمكة من بني كعب ، أحد يغضب لي ، إن أوذيت ، فأرسل عثمان بن عفان ، فإن عشيرته بها ، وإنه مبلغ ما أردت . فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان بن عفان ، فأرسله إلى قريش ، وقال : « أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، إنما جئنا عمّارا ، وادعهم إلى الإسلام » . وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ، ونساء مؤمنات ، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ، ويخبرهم أن اللّه عزّ وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان ، فانطلق عثمان ، فمر على قريش ببلدح ، فقالوا : أين تريد ؟ فقال : بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أدعوكم إلى اللّه ، وإلى الإسلام ، ويخبركم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عمّارا ، قالوا : قد سمعنا ما تقول ، فانفذ لحاجتك . وقام إليه أبان بن سعيد ، فرحب به ، وأسرج فرسه ، فحمل عثمان على الفرس ، فأجاره ، وأردفه أبان ، حتى جاء مكة ، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان : خلص عثمان قبلنا إلى البيت ، وطاف به . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون » ، فقالوا : وما يمنعه يا رسول اللّه وقد خلص ؟ قال : « ذاك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه » ، واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح . فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر ، وكانت معركة ، وتراموا بالنبل والحجارة ، وصاح الفريقان كلاهما ، وارتضى كلّ واحد من الفريقين بمن فيهم ، وبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن عثمان قد قتل ، فدعا إلى البيعة . فثار المسلمون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا ، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيد نفسه ، وقال : « هذه عن عثمان » ، ولما تمت البيعة ، رجع عثمان ، فقال له المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد اللّه ، من الطواف بالبيت ، فقال : بئسما ظننتم بي ، والذي نفسي بيده ، ولو مكثت بها سنة ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقيم بالحديبية ، ما طفت بها ، حتى يطوف بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت ، فقال المسلمون : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كان أعلمنا باللّه ، وأحسننا ظنا . وكان عمر أخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للبيعة تحت الشجرة ، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد بن قيس ، وكان معقل بن يسار ، أخذ بغصنها ، يرفعه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان أول من بايعه ، أبو سنان الأسدي ، وبايعه سلمة بن الأكوع ، ثلاث مرات ، في أول الناس ، وأوسطهم ، وآخرهم . فبينما هم كذلك ، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي ، في نفر من خزاعة ، وكانوا عيبة نصح لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، من أهل تهامة ، فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي ، نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك ، وصادوك عن البيت . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكن جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس ، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن أبوا إلا القتال ، فوالذي نفسي بيده ، لأقاتلنهم على أمري هذا ، حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن اللّه أمره » ، قال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى قريشا ، فقال : إني قد جئتكم من عند هذا الرجل ، وسمعته يقول قولا ، فإن شئتم عرضته عليكم ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء ، وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته ، قال : سمعته يقول كذا وكذا ، فقال عروة بن مسعود الثقفي : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ، فاقبلوها ، ودعوني آته ، فقالوا : ائته . فأتاه ، فجعل يكلمه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحوا من قوله لبديل ، فقال له عروة عند ذلك : أي محمد ، أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى ، فو اللّه إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس ، خليقا أن يفروا ، ويدعوك ، فقال له أبو بكر : امصص بظر اللات ،