تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 931

مساهمون:

ص٩٣١
على أفضل الأنام ، بلغة العرب الكرام ، لينذر به قوما ، عمتهم الجهالة ، وغلبت عليهم الشقاوة ، فيستضيئوا بنوره ويقتبسوا من هداه ، ويسيروا وراءه ، فيحصل لهم الخير الدنيوي ، والخير الأخروي ، ولهذا قال :
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها
، أي : في تلك الليلة الفاضلة الّتي نزل فيها القرآن
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
، أي : يفصل ويميز ، ويكتب كل أمر قدري وشرعي ، حكم اللّه به . وهذه الكتابة والفرقان ، الذي يكون في ليلة القدر ، إحدى الكتابات الّتي تكتب وتميز ، فتطابق الكتاب الأول ، الذي كتب اللّه به مقادير الخلائق ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وأعمالهم ، وأموالهم . ثمّ إن اللّه تعالى ، قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد ، وهو في بطن أمه ، ثمّ وكلهم بعد خروجه إلى الدنيا ، وكّل به كراما كاتبين ، يكتبون ويحفظون عليه أعماله ، ثمّ إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ، ما يكون في السنة . [ 5 ] وكل هذا من تمام علمه وكمال حكمته ، وإتقان حفظه ، واعتنائه تعالى بخلقه
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا
، أي : هذا الأمر الحكيم ، أمر صادر من عندنا . [ 6 ]
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
للرسل ومنزلين للكتب ، والرسل تبلغ أوامر المرسل وتخبر بأقداره ،
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
، أي : إن إرسال الرسل وإنزال الكتب ، الّتي أفضلها القرآن ، رحمة من رب العباد بالعباد ، فما رحم اللّه عباده برحمة ، أجل من هدايتهم بالكتب والرسل . وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة ، فإنه من أجل ذلك وسببه .
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
، أي : يسمع جميع الأصوات ، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة ، وقد علم تعالى ، ضرورة العباد إلى رسله وكتبه ، فرحمهم بذلك ، ومنّ عليهم ، فلله تعالى الحمد والمنة ، والإحسان . [ 7 - 8 ]
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
، أي : خالق ذلك ومدبره ، والمتصرف فيه بما شاء .
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
، أي : عالمين بذلك علما مفيدا لليقين ، فاعلموا أن الرب للمخلوقات ، هو إلهها الحقّ ، ولهذا قال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، أي : لا معبود إلا وجهه ،
يُحْيِي وَيُمِيتُ
، أي : هو المتصرف وحده بالإحياء والإماتة ، وسيجمعكم بعد موتكم فيجزيكم بعملكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
، أي : رب الأولين والآخرين ، مربيهم بالنعم ، الدافع عنهم النقم . [ 9 ] فلما قرر تعالى ربوبيته وألوهيته ، بما يوجب العلم التام ، ويدفع الشك ، أخبر أن الكافرين مع هذا البيان
فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
، أي : منغمرون في الشكوك والشبهات ، غافلون عما خلقوا له ، قد اشتغلوا باللعب الباطل ، الذي لا يجدي عليهم إلا الضرر . [ 10 - 11 ]
فَارْتَقِبْ
، أي : انتظر فيهم العذاب ، فإنه قد قرب وآن أوانه ،
يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ
، أي : يعمهم ذلك الدخان ، ويقال لهم :
هذا عَذابٌ أَلِيمٌ
. واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان ، فقيل : إنه الدخان الذي يغشى الناس ويعمهم ، حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة وأن اللّه توعدهم بعذاب يوم القيامة وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم . ويؤيد هذا المعنى ، أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأنّي بهم ، وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه ، وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار ، بمن آذاهم . [ 13 ] ويؤيده أيضا ، أنه قال في هذه الآية :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
( 13 ) وهذا يقال يوم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 931 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي