تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 929

مساهمون:

ص٩٢٩
القيامة ، فيجدوا ما عملوا حاضرا ، ولا يظلم ربك أحدا . [ 81 ] أي : قل يا أيها الرسول الكريم ، للذين جعلوا للّه ولدا ، وهو الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له كفوا أحد .
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
( 81 ) لذلك الولد ، لأنه جزء من والده ، وأنا أوّل الخلق انقيادا للأوامر المحبوبة للّه ولكني أوّل المنكرين لذلك ، وأشدهم له نفيا ، فعلم بذلك بطلانه . فهذا احتجاج عظيم ، عن من عرف أحوال الرسل . وأنه إذا علم أنهم أكمل الخلق ، وأن كل خير فهم أوّل الناس سبقا إليه ، وتكميلا له . وكل شر فهم أوّل الناس تركا له ، وإنكارا له ، وبعدا منه . فلو كان للرحمن ولد وهو الحقّ ، لكان محمد بن عبد اللّه ، أفضل الرسل أوّل من عبده ، ولم يسبقه إليه المشركون . ويحتمل أن معنى الآية : لو كان للرحمن ولد ، فأنا أوّل العابدين للّه . ومن عبادتي للّه ، إثبات ما أثبته ، ونفي ما نفاه ، فهذا من العبادة القولية الاعتقادية . ويلزم من هذا ، لو كان حقا ، لكنت أوّل مثبت له . فعلم بذلك ، بطلان دعوى المشركين وفسادها ، عقلا ونقلا . [ 82 ]
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
( 82 ) من الشريك والظهير ، والعوين ، والولد ، وغير ذلك ، مما نسبه إليه المشركون . [ 83 ]
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا
أي : يخوضوا بالباطل ، ويلعبوا بالمحال . فعلومهم ضارة غير نافعة ، وهي الخوض ، والبحث بالعلوم الّتي يعارضون بها الحقّ ، وما جاءت به الرسل ، وأعمالهم لعب وسفاهة ، لا تزكي النفوس ، ولا تثمر المعارف . ولهذا توعدهم بما أمامهم يوم القيامة فقال :
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
فسيعلمون فيه ما ذا حصلوا ، وما حصلوا عليه من الشقاء الدائم ، والعذاب المستمر . [ 84 ]
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
يخبر تعالى ، أنه وحده ، المألوه ، المعبود في السماوات والأرض . فأهل السماوات كلهم ، والمؤمنون من أهل الأرض يعبدونه ، ويعظمونه ، ويخضعون لجلاله ، ويفتقرون لكماله .
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
. فهو تعالى المألوه المعبود ، الذي يألهه الخلائق كلهم ، طائعين مختارين ، وكارهين . وهذه كقوله تعالى :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
أي : ألوهيته ومحبته فيهما . وأما هو فإنه فوق عرشه ، بائن من خلقه ، متوحد بجلاله ، متمجد بكماله .
وَهُوَ الْحَكِيمُ
الذي أحكم ما خلقه ، وأتقن ما شرعه . فما خلق شيئا إلّا لحكمة ، وحكمه القدري ، والشرعي ، والجزائي مشتمل على الحكمة .
الْعَلِيمُ
بكل شيء يعلم السر وأخفى ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي ، ولا أصغر منها ، ولا أكبر . [ 85 ]
وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
تبارك بمعنى تعالى وتعاظم ، وكثر خيره ، واتسعت صفاته ، وعظم ملكه . ولهذا ذكر سعة ملكه للسماوات والأرض وما بينهما ، وسعة علمه ، وأنه بكل شيء عليم . حتى أنه تعالى ، انفرد بعلم الغيوب ، الّتي لم يطّلع عليها أحد من الخلق لا نبي مرسل ، ولا ملك مقرّب ولهذا قال :
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
قدم الظرف ، ليفيد الحصر ، أي : لا يعلم متى تجيء الساعة إلّا هو . ومن تمام ملكه وسعته ، أنه مالك الدنيا والآخرة ، ولهذا قال :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
أي : في الآخرة فيحكم بينكم