تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 930

مساهمون:

ص٩٣٠
بحكمه العدل . ومن تمام ملكه ، أنه لا يملك أحد من خلقه من الأمر شيئا ، ولا يقدم على الشفاعة عنده أحد ، إلّا بإذنه . [ 86 ]
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ
أي : كل من دعي من دون اللّه ، من الأنبياء والملائكة وغيرهم ، لا يملكون الشفاعة ، ولا يشفعون إلّا بإذن اللّه ، ولا يشفعون إلّا لمن ارتضى ، ولهذا قال :
إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ
أي : نطق بلسانه ، مقرا بقلبه ، عالما بما يشهد به ، ويشترط أن تكون شهادته بالحق ، وهي الشهادة للّه تعالى بالوحدانية ، ولرسله بالنبوة والرسالة ، وصحة ما جاءوا به ، من أصول الدين ، وفروعه ، وحقائقه وشرائعه . فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعة الشافعين ، وهؤلاء الناجون من عقاب اللّه ، الحائزون لثوابه . [ 87 ] ثم قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
أي : ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبية ، ومن هو الخالق ، لأقروا أنه اللّه وحده لا شريك له .
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
أي : فكيف يصرفون عن عبادة اللّه ، والإخلاص له وحده ؟ فإقرارهم بتوحيد الربوبية ، يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية ، وهو من أكبر الأدلة على بطلان الشرك . [ 88 ]
وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ
( 88 ) هذا معطوف على قوله :
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
أي : وعنده علم قيله ، أي : الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، شاكيا لربه تكذيب قومه ، متحزنا على ذلك ، متحسرا على عدم إيمانهم . فاللّه تعالى عالم بهذه الحال ، قادر على معاجلتهم بالعقوبة . ولكنه تعالى ، حليم يمهل العباد ، ويستأني بهم ، لعلهم يتوبون ، ويرجعون ولهذا قال : [ 89 ]
فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ
أي : اصفح عنهم ، ما يأتيك من أذيتهم القولية والفعلية ، واعف عنهم ، ولا يبدر منك لهم إلّا السّلام الذي يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين . كما قال تعالى عن عباده الصالحين :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ
أي : خطابا بمقتضى جهلهم
قالُوا سَلاماً
. فامتثل صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأمر ربه ، وتلقى ما يصدر إليه من قومه وغيرهم من الأذى ، بالعفو والصفح ، ولم يقابلهم ، عليه السّلام ، إلّا بالإحسان إليهم والخطاب الجميل . فصلوات اللّه وسلامه ، على من خصه اللّه بالخلق العظيم ، الذي فضّل به أهل الأرض والسماء ، وارتفع به أعلى من كواكب الجوزاء . وقوله :
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
أي : غبّ ذنوبهم ، وعاقبة جرمهم .

تفسير سورة الدخان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 - 4 ] هذا قسم بالقرآن على القرآن ، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى بيانه أنه أنزله
فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
، أي : كثيرة الخير والبركة ، وهي ليلة القدر ، الّتي هي خير من ألف شهر ، فأنزل أفضل الكلام بأفضل الليالي والأيام ،