تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 933

مساهمون:

ص٩٣٣
[ 25 - 28 ] فلما تكامل قوم موسى خارجين منه ، وقوم فرعون داخلين فيه ، أمره اللّه تعالى أن يلتطم عليهم ، فغرقوا عن آخرهم ، وتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا ، وأورثه اللّه بني إسرائيل ، الّذين كانوا مستعبدين لهم ، ولهذا قال :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها
، أي : هذه النعمة المذكورة
قَوْماً آخَرِينَ
، وفي الآية الأخرى :
كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ
( 59 ) . [ 29 ]
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ
، أي : لما أتلفهم اللّه وأهلكهم ، لم تبك عليهم السماء والأرض ، أي : لم يحزن عليهم ، ولم ييأس على فراقهم ، بل كل استبشر بهلاكهم وتلفهم حتى السماء والأرض ، لأنهم ما خلفوا من آثارهم إلا ما يسود وجوههم ، ويوجب عليهم اللعنة والمقت من العالمين .
وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
، أي : ممهلين عن العقوبة ، بل اصطلتهم في الحال . [ 30 ] ثمّ امتنّ تعالى على بني إسرائيل ، فقال :
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ
( 30 ) الذي كانوا فيه
مِنْ فِرْعَوْنَ
إذ يذبّح أبناءهم ، ويستحيي نساءهم .
إِنَّهُ كانَ عالِياً
، أي : مستكبرا في الأرض بغير الحقّ
مِنَ الْمُسْرِفِينَ
المتجاوزين لحدود اللّه ، والمتجرئين على محارمه . [ 32 ]
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ
، أي : اصطفيناهم وانتقيناهم
عَلى عِلْمٍ
منا بهم ، وباستحقاقهم لذلك الفضل
عَلَى الْعالَمِينَ
، أي : عالمي زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى اللّه بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففضلوا العالمين كلهم ، وجعلهم اللّه خير أمة أخرجت للناس ، وامتن عليهم ، بما لم يمتن به على غيرهم . [ 33 ]
وَآتَيْناهُمْ
، أي : بني إسرائيل
مِنَ الْآياتِ
الباهرة ، والمعجزات الظاهرة .
ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
، أي : إحسان كثير ، ظاهر منا عليهم ، وحجة عليهم ، على صحة ما جاءهم به نبيهم موسى عليهم السّلام . [ 34 ] يخبر تعالى
إِنَّ هؤُلاءِ
المكذبين
لَيَقُولُونَ
مستبعدين للبعث والنشور :
إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
( 35 ) ، أي : ما هي إلا الحياة الدنيا ، فلا بعث ، ولا نشور ، ولا جنة ، ولا نار . [ 36 ] ثمّ قالوا - متجرءين على ربهم ، معجزين له - :
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 36 ) ، وهذا من اقتراح الجهلة المعاندين في مكان سحيق ، فأي ملازمة بين صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنه متوقف على الإتيان بآبائهم ؟ فإن الآيات ، قد قامت على صدق ما جاءهم به ، وتواترت تواترا عظيما من كل وجه . [ 37 ] قال تعالى :
أَ هُمْ خَيْرٌ
، أي : هؤلاء المخاطبون
أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
، فإنهم ليسوا خيرا منهم ، وقد اشتركوا في الإجرام ، فليتوقعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين . [ 38 - 39 ] يخبر تعالى ، عن كمال قدرته ، وتمام حكمته ، وأنه ما خلق السماوات والأرض لعبا ، ولا لهوا ، ولا سدى من غير فائدة ، وأنه ما خلقهما إلا بالحق ، أي : نفس خلقهما بالحق ، وخلقهما مشتمل على الحقّ ، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا شريك له ، وليأمر العباد ، وينهاهم ويثيبهم ، ويعاقبهم .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
، فلذلك لم يتفكروا في خلق السماوات والأرض . [ 40 ]
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ
وهو يوم القيامة الذي يفصل اللّه به بين