تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 898

مساهمون:

ص٨٩٨
من الإيمان ، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة للإخلاص ، والمتابعة .
لَهُمْ أَجْرٌ
أي : عظيم
غَيْرُ مَمْنُونٍ
أي : غير مقطوع ولا نافد ، بل هو مستمر مدى الأوقات ، متزايد على الساعات ، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات . [ 9 ] ينكر تعالى ويعجّب ، من كفر الكافرين به ، الّذين جعلوا معه أندادا يشركونهم معه ، ويبذلون لهم ما يشاءون من عباداتهم ، ويسوونهم بالرب العظيم ، الملك الكريم ، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة ، في يومين ، ثمّ دحاها في يومين ، بأن جعل فيها رواسي من فوقها ، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار . [ 10 ] فكمل خلقها ، ودحاها ، وأخرج أقواتها ، وتوابع ذلك
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
عن ذلك ، فلا ينبئك مثل خبير . فهذا هو الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص . [ 11 ]
ثُمَّ
بعد أن خلق الأرض
اسْتَوى
أي : قصد
إِلَى
خلق
السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
قد ثار على وجه الماء .
فَقالَ لَها
ولما كان هذا التخصيص يوهم الاختصاص ، عطف عليه بقوله :
وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
أي : انقادا لأمري ، طائعتين أو مكرهتين ، فلا بد من نفوذه .
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
أي : ليس لنا إرادة تخالف إرادتك . [ 12 ]
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
فتمّ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، مع أن قدرة اللّه ومشيئته ، صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة . ولكن مع أنه قدير ، فهو حكيم رفيق . فمن حكمته ورفقه ، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة . واعلم أن ظاهر هذه الآية ، مع قوله تعالى في النازعات ، لما ذكر خلق السماوات قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
( 30 ) يظهر منها التعارض ، مع أن كتاب اللّه ، لا تعارض فيه ولا اختلاف . والجواب عن ذلك ، ما قاله كثير من السلف ، أن خلق الأرض وصورتها ، متقدم على خلق السماوات كما هنا ، ودحا الأرض بأن
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها
( 32 ) متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات ، ولهذا قال :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْها
إلى آخره ولم يقل : « والأرض بعد ذلك خلقها » . وقوله :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
أي : الأمر والتدبير اللائق بها ، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين .
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
هي : النجوم ، يستنار بها ، ويهتدى ، وتكون زينة وجمالا ، للسماء ظاهرا .
وَحِفْظاً
لها ، باطنا ، يجعلها رجوما للشياطين ، لئلا يسترق السمع فيها ،
ذلِكَ
المذكور ، من الأرض وما فيها ، والسماء وما فيها
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الذي عزته ، قهر بها الأشياء ودبرها ، وخلق بها المخلوقات .
الْعَلِيمِ
الذي أحاط علمه بالمخلوقات ، الغائب والشاهد . [ 13 ] فترك المشركين الإخلاص لهذا الرب العظيم الواحد القهار ، الذي انقادت المخلوقات لأمره ونفذ فيها قدره ، من أعجب الأشياء . واتخاذهم له أندادا يسوونهم به ، وهم ناقصون في أوصافهم ، وأفعالهم ، أعجب وأعجب . ولا دواء لهؤلاء ، إن استمر إعراضهم ، إلا العقوبات الدنيوية والأخروية . فلهذا خوفهم بقوله :
فَإِنْ أَعْرَضُوا
إلى قوله :
كافِرُونَ
. أي : فإن أعرض هؤلاء المكذبون ، بعد ما بيّن لهم من أوصاف القرآن الحميدة ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 898 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي