تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 899

مساهمون:

ص٨٩٩
ومن صفات الإله العظيم
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
أي : عذابا يستأصلكم ويجتاحكم .
مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
القبيلتين المعروفتين ، حيث اجتاحهم العذاب ، وحلّ عليهم وبيل العقاب ، وذلك بظلمهم وكفرهم . [ 14 ]
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
أي : يتبع بعضهم بعضا متوالين ، ودعوتهم جميعا واحدة .
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
أي : يأمرونهم بالإخلاص للّه ، وينهونهم عن الشرك . فردوا رسالتهم وكذبوهم و
قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
أي : وأما أنتم فبشر مثلنا
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين المكذبين ، من الأمم ، وهي من أوهى الشّبه . فإنه ليس من شرط الإرسال ، أن يكون المرسل ملكا . وإنّما شرط الرسالة ، أن يأتي الرسول بما يدل على صدقه . فليقدحوا إن استطاعوا بصدقهم ، بقادح عقلي أو شرعي ، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا . [ 15 ] هذا تفصيل لقصة هاتين الأمتين ، عاد ، وثمود .
فَأَمَّا عادٌ
فكانوا - مع كفرهم باللّه ، وجحودهم بآيات اللّه ، وكفرهم برسله - مستكبرين في الأرض ، قاهرين لمن حولهم من العباد ، ظالمين لهم ، قد أعجبتهم قوتهم .
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
قال تعالى ردا عليهم ، بما يعرفه كل أحد :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً
فلو لا خلقه إياهم ، لم يوجدوا . فلو نظروا إلى هذه الحال نظرا صحيحا ، لم يغتروا بقوتهم . فعاقبهم اللّه عقوبة ، تناسب قوتهم ، التي اغتروا بها . [ 16 ]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
أي : ريحا عظيمة ، من قوّتها وشدتها ، لها صوت مزعج ، كالرعد القاصف . فسخرها اللّه عليهم
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
. فدمرتهم وأهلكتهم ، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم . وقال هنا :
لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
الذي اختزوا به وافتضحوا بين الخليقة .
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ
أي : لا يمنعون من عذاب اللّه ، ولا ينفعون أنفسهم . [ 17 ]
وَأَمَّا ثَمُودُ
وهم القبيلة المعروفة الّذين سكنوا الحجر وحواليه ، الّذين أرسل اللّه إليهم صالحا عليه السّلام ، يدعوهم إلى توحيد ربهم ، وينهاهم عن الشرك . وآتاهم اللّه الناقة ، آية عظيمة ، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم ، يشربون لبنها يوما ، ويشربون من الماء يوما ، وليسوا ينفقون عليها ، بل تأكل من أرض اللّه . ولهذا قال هنا :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ
أي : هداية بيان . وإنّما نص عليهم ، وإن كان جميع الأمم المهلكة ، قد قامت عليهم الحجة ، وحصل لهم البيان ، لأن آية ثمود آية باهرة ، قد رآها صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم ، وكانت آية مبصرة ، فلهذا خصهم بزيادة البيان والهدى . ولكنهم - من ظلمهم وشرهم - استحبوا العمى - الذي هو الكفر والضلال - على الهدى ، الذي هو : العلم والإيمان .
فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
لا ظلما من اللّه لهم . [ 18 ]
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 18 ) أي : نجّى اللّه صالحا عليه السّلام ، ومن اتبعه من المؤمنين المتقين للشرك ، والمعاصي . [ 19 ] يخبر تعالى عن أعدائه ، الّذين بارزوه بالكفر بآياته ، وتكذيب رسله ، ومعاداتهم ، ومحاربتهم ، وحالهم