تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 900

مساهمون:

ص٩٠٠
الشنيعة حين يحشرون ، أي : يجمعون .
إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
أي : أولهم على آخرهم ، ويتبع آخرهم أولهم ، ويساقون إليها سوقا عنيفا ، لا يستطيعون امتناعا ، ولا ينصرون أنفسهم ، ولا هم ينصرون . [ 20 ]
حَتَّى إِذا ما جاؤُها
أي : حتى إذا وردوا على النار ، وأرادوا الإنكار ، أو أنكروا ما عملوه من المعاصي .
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ
عموم بعد خصوص .
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
أي : يشهد عليهم كل عضو من أعضائهم . فكل عضو يقول : أنا فعلت كذا وكذا ، يوم كذا وكذا . وخص هذه الأعضاء الثلاثة ، لأن أكثر الذنوب إنّما تقع بها ، أو بسببها . [ 21 ] فإذا شهدت عليهم ، عاتبوها
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ
هذا دليل على أنّ الشهادة تقع من كل عضو كما ذكرنا :
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
ونحن ندافع عنكن
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
. فليس في إمكاننا ، الامتناع عن الشهادة ، حين أنطقنا الذي لا يستعصي شيء عن مشيئته .
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
فكما خلقكم بذواتكم ، وأجسامكم ، خلق أيضا صفاتكم ، ومن ذلك الإنطاق .
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
في الآخرة ، فيجزيكم بما عملتم . ويحتمل أن المراد بذلك ، الاستدلال على البعث بالخلق الأول ، كما هو طريقة القرآن . [ 22 ]
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ
أي : وما كنتم تختفون عن شهادة أعضائكم عليكم ، ولا تحاذرون من ذلك .
وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ
بإقدامكم على المعاصي
أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
فلذلك صدر منكم ما صدر . وهذا الظن ، صار سبب هلاكهم وشقائهم ولهذا قال : [ 23 ]
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
الظن السيّئ ، حيث ظننتم به ، ما لا يليق بجلاله .
أَرْداكُمْ
أي : أهلككم
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
لأنفسهم ، وأهليهم ، وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم . فحقت عليكم كلمة العقاب والشقاء ، ووجب عليكم الخلود الدائم في العذاب ، الذي لا يفتر عنهم ساعة . [ 24 ]
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ
فلا جلد عليها ، ولا صبر . وكل حالة قدّر إمكان الصبر عليها ، فالنار لا يمكن الصبر عليها . وكيف الصبر على نار ، قد اشتد حرها ، وزادت على نار الدنيا ، بسبعين ضعفا ، وعظم غليان حميمها ، وزاد نتن صديدها ، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت سلاسلها وأغلالها ، وكبرت مقامعها ، وغلظ خزّانها ، وزال ما في قلوبهم من رحمتهم . وختام ذلك سخط الجبار ، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 ) .
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا
أي : يطلبوا أن يزال عنهم العتب ، فيرجعوا إلى الدنيا ، ليستأنفوا العمل .
فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
لأنه ذهب وقته ، وعمروا ، ما يعمر فيه من تذكر وجاءهم النذير . وانقطعت حجتهم ، مع أن استعتابهم ، كذب منهم
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
. [ 25 ]
وَقَيَّضْنا لَهُمْ
أي : لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق
قُرَناءَ
من الشياطين كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا
( 83 ) أي : تزعجهم إلى المعاصي ، وتحثهم عليها .
فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
فالدنيا زخرفوها بأعينهم ، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة ، حتى افتتنوا ، فأقدموا على معاصي اللّه ، وسلكوا ما شاءوا من محاربة اللّه ورسوله والآخرة بعدوّها عليهم وأنسوهم ذكرها . وربما أوقعوا عليهم الشّبه ، بعدم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 900 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي