تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 847

مساهمون:

ص٨٤٧
[ 69 - 70 ] وكأنه قيل : ما الذي أوصلهم إلى هذه الدار ؟ فقال :
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا
أي : وجدوا
آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ
أي : يسرعون في الضلال . فلم يلتفتوا إلى ما دعتهم إليه الرسل ، ولا إلى ما حذرتهم عنه الكتب ولا إلى أقوال الناصحين . بل عارضوهم بأن قالوا :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
. [ 71 ]
وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ
أي : قبل هؤلاء المخاطبين
أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
وقليل منهم من آمن واهتدى . [ 72 - 73 ]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ
( 72 ) ينذرونهم من غيهم وضلالهم
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ
( 73 ) كانت عاقبتهم الهلاك ، والخزي ، والفضيحة . فليحذر هؤلاء أن يستمروا على ضلالهم ، فيصيبهم مثل ما أصابهم . [ 74 ] ولما كان المنذرون ليسوا كلهم ضالين ، بل منهم من آمن ، وأخلص الدين للّه ، استثناهم اللّه من الهلاك فقال :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) أي : الذين أخلصهم اللّه ، وخصهم برحمته لإخلاصهم ، فإن عواقبهم صارت حميدة . [ 75 - 80 ] ثم ذكر نموذجا من عواقب الأمم المكذبين فقال :
وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ
إلى
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ
( 82 ) . يخبر تعالى عن عبده ورسوله ، نوح عليه السلام ، أول الرسل . أنه لما دعا قومه إلى اللّه تلك المدة الطويلة ، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارا ، أنه نادى ربه فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
الآية . وقال :
رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
. فاستجاب اللّه له ، ومدح تعالى نفسه فقال :
فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
لدعاء الداعين ، وسماع تبتلهم وتضرعهم . أجابه إجابة ، طابقت ما سأل ، فنجاه وأهله من الكرب العظيم ، وأغرق جميع الكافرين ، وأبقى نسله وذريته متسلسلين ، فجميع الناس من ذرية نوح عليه السلام . وجعل له ثناء حسنا مستمرا إلى وقت الآخرين ، وذلك لأنه محسن في عبادة الخالق ، محسن إلى الخلق . وهذه سنّته تعالى في المحسنين ، أن ينشر لهم من الثناء ، على حسب إحسانهم . [ 81 ] ودلّ قوله :
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
( 81 ) أن الإيمان أرفع منازل العباد وأنه مشتمل على جميع شرائع الدين ، وأصوله ، وفروعه ، لأن اللّه مدح به خواص خلقه . [ 83 ] أي : وإن من شيعة نوح عليه السلام ، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة ، ودعوة الخلق إلى اللّه ، وإجابة الدعاء ، إبراهيم الخليل عليه السلام . [ 84 ]
إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( 84 ) من الشرك والشبه ، والشهوات المانعة من تصور الحق ، والعمل به . وإذا كان قلب العبد سليما ، سلم من كل شر ، وحصل له كل خير . [ 85 ] ومن سلامته ، أنه سليم من غش الخلق وحسدهم ، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق ، ولهذا نصح الخلق في اللّه ، وبدأ بأبيه وقومه فقال :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ
( 85 ) هذا استفهام على وجه الإنكار ، وإلزام لهم بالحجة . [ 86 ]
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
( 86 ) أي : أتعبدون من دون اللّه آلهة كذبا ، ليست بآلهة ، ولا تصلح للعبادة ، فما ظنكم برب العالمين ، أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره ؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب ، على الإقامة على شركهم . [ 87 ]
فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 87 ) أي : وما الذي ظننتم برب العالمين ، من النقص حتى جعلتم له أندادا
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 847 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي