تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 844

مساهمون:

ص٨٤٤
آلِهَتِنا
الّتي لم نزل نعبدها ، نحن وآباؤنا ( ل ) قول شاعر
مَجْنُونٍ
يعنون : محمدا صلى اللّه عليه وسلم . فلم يكفهم قبحهم اللّه ، الإعراض عنه ، ولا مجرد تكذيبه ، حتى حكموا عليها بأظلم الأحكام ، وجعلوه شاعرا مجنونا ، وهم يعلمون ، أنه لا يعرف الشعر والشعراء ، ولا وصفه وصفهم ، وأنه أعقل خلق اللّه ، وأعظمهم رأيا . [ 37 ] ولهذا قال تعالى ، ناقضا لقولهم :
بَلْ جاءَ
محمد
بِالْحَقِّ
أي : مجيئه حقّ ، وما جاء به من الشرع والكتاب حق .
وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
أي : ومجيئه صدق المرسلين ، فلو لا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين ، فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله ، لأنهم أخبروا به وبشروا ، وأخذ اللّه عليهم العهد والميثاق ، لئن جاءهم ، ليؤمنن به ولينصرنه ، وأخذوا ذلك على أممهم . فلما جاء ، ظهر صدق الرسل الّذين قبله ، وتبين كذب من خالفهم . فلو قدر عدم مجيئه ، وهم قد أخبروا به ، لكان ذلك قادحا في صدقهم . وصدّق أيضا المرسلين ، بأن جاء بما جاءوا به ، ودعا إلى ما دعوا إليه ، وآمن بهم ، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم . [ 38 - 39 ] ولما كان قولهم السابق :
إِنَّا لَذائِقُونَ
قولا صادرا منهم ، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره ، أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين ، وهو الخبر الصادق منه تعالى فقال :
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ
( 38 ) أي : المؤلم الموجع
وَما تُجْزَوْنَ
في إذاقة العذاب الأليم
إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فلم نظلمكم ، وإنّما عدلنا فيكم ؟ [ 40 ] ولما كان هذا الخطاب ، لفظه عاما ، والمراد به : المشركون ، استثنى تعالى المؤمنين فقال :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) إلى
مَكْنُونٌ
. يقول تعالى :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
( 40 ) فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم ، لأنهم أخلصوا للّه الأعمال ، فأخلصهم ، واختصهم برحمته ، وجاد عليهم بلطفه . [ 41 ]
أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ
( 41 ) أي : غير مجهول ، وإنّما هو رزق عظيم جليل ، لا يجهل أمره ، ولا يبلغ كنهه . [ 42 ] فسره بقوله :
فَواكِهُ
من جميع أنواع الفواكه ، الّتي تتفكه بها النفس ، للذتها في لونها وطعمها .
وَهُمْ مُكْرَمُونَ
لا مهانون محتقرون ، بل معظمون مبجلون موقرون . قد أكرم بعضهم بعضا ، وأكرمتهم الملائكة الكرام ، وصاروا يدخلون عليها من كلّ باب ، ويهنّئونهم ببلوغ أهنأ الثواب . وأكرمهم أكرم الأكرمين ، وجاد عليهم بأنواع الكرامات ، من نعيم القلوب والأرواح والأبدان . [ 43 ]
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
( 43 ) أي : الجنات ، الّتي النعيم وصفها ، والسرور نعتها . وذلك لما جمعته ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وسلمت من كلّ ما يخل بنعيمها ، من جميع المكدرات والمنغصات . [ 44 ] ومن كرامتهم عند ربهم ، وإكرام بعضهم بعضا ، أنهم على
سُرُرٍ
وهي المجالس المرتفعة ، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة ، المزخرفة المجملة ، فهم متكئون عليها ، على وجه الراحة والطمأنينة ، والفرح ،
مُتَقابِلِينَ
فيما بينهم ، قد صفت قلوبهم ومحبتهم فيما بينهم ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض . فإن مقابلة وجوههم ، تدل على تقابل قلوبهم ، وتأدب بعضهم مع بعض فلم يستدبره ، أو يجعله إلى جانبه . بل من كمال السرور والأدب ، ما دل عليه ذلك التقابل .