تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 846

مساهمون:

ص٨٤٦
[ 57 - 59 ]
وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي
على أن ثبتني على الإسلام
لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
في العذاب معك
أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
( 59 ) أي : يقوله المؤمن ، مبتهجا بنعمة اللّه ، على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها ، والسلامة من العذاب ، استفهام بمعنى الإثبات والتقرير . وقوله :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
( 50 ) وحذف المعمول ، والمقام مقام لذة وسرور ، يدلّ ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون بالتحدث به ، والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال . ومن المعلوم أن لذة أهل العلم بالتساؤل عن العلم ، والبحث عنه ، فوق اللذات الجارية في أحاديث الدنيا ، فلهم من هذا النوع ، النصيب الوافر . ويحصل لهم من انكشاف الحقائق العلمية في الجنة ، ما لا يمكن التعبير عنه . [ 60 ] فلما ذكر تعالى نعيم الجنة ، ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة ، مدحه ، وشوّق العاملين ، وحثّهم على العمل له فقال :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( 60 ) الذي حصل لهم به كل خير ، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي ، واندفع عنهم به كل محذور ومكروه . فهل فوز يطلب فوقه ؟ أم هو غاية الغايات ، ونهاية النهايات ، حيث حل عليهم رضا رب الأرض والسماوات ، وفرحوا بقربه ، وتنعموا بمعرفته وسروا برؤيته ، وطربوا لكلامه ؟ [ 61 ]
لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ
( 61 ) فهو أحق ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس . والحسرة كل الحسرة ، أن يمضي على الحازم ، وقت من أوقاته ، وهو غير مشتغل بالعمل ، الذي يقرب لهذه الدار ، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار ؟ [ 62 - 63 ]
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا
أي : ذلك النعيم الذي وصفناه لأهل الجنة ، خير ، أم العذاب الذي يكون في الجحيم ، من جميع أصناف العذاب ؟ فأي الطعامين أولى ؟ الطعام الذي وصف في الجنة
أَمْ
طعام أهل النار ؟ وهو
شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً
أي : عذابا ونكالا
لِلظَّالِمِينَ
أنفسهم بالكفر والمعاصي . [ 64 ]
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ
( 64 ) أي : وسطه فهذا مخرجها ، ومعدنها شر المعادن وأسوؤها . وشر المغرس يدل على شر الغراس وخسته ، ولهذا نبهنا اللّه على شرها ، بما ذكر أين تنبت به ، وبما ذكر من صفة ثمرتها . [ 65 ] وأن
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
( 65 ) فلا تسأل بعد هذا ، عن طعمها ، وما تفعل في أجوافهم وبطونهم ، وليس لهم عنها مندوحة ولا معدل . [ 66 ] ولهذا قال :
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ
( 66 ) فهذا طعام أهل النار ، فبئس الطعام طعامهم . [ 67 ] ثم ذكر شرابهم فقال :
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها
أي : على أثر هذا الطعام
لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
أي : ماء حارا ، قد تناهى حره ، كما قال تعالى :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً
وكما قال تعالى :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
. [ 68 ]
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ
أي : مآلهم ومقرهم ومأواهم
لَإِلَى الْجَحِيمِ
، ليذوقوا من عذابه الشديد ، وحره العظيم ، ما ليس عليه مزيد من الشقاء .