تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
[ 53 ]
إِنْ كانَتْ
أي : ما كانت البعثة من القبور
إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
ينفخ إسرافيل في الصور ، فتحيا الأجساد .
فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
الأولون والآخرون ، والإنس والجن ليحاسبوا على أعمالهم . [ 54 ]
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً
لا ينقص من حسناتها ، ولا يزاد في سيئاتها .
وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
من خير أو شر . فمن وجد خيرا ، فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومنّ إلا نفسه . [ 55 ] لما ذكر تعالى أن كلّ أحد لا يجزى إلا ما عمله ، ذكر جزاء الفريقين . فبدأ بجزاء أهل الجنة ، وأخبر أنهم في ذلك اليوم
فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
أي : في شغل مفكه للنفس ، ملذّ لها ، من كلّ ما تهواه النفوس ، وتلذه العيون ، ويتمناه المتمنون . [ 56 ] ومن ذلك لقاء العذارى الجميلات ، كما قال :
هُمْ وَأَزْواجُهُمْ
من الحور العين ، اللاتي قد جمعن حسن الوجوه والأبدان ، وحسن الأخلاق .
فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ
أي : السرر المزينة ، باللباس المزخرف الحسن .
مُتَّكِؤُنَ
عليه ، اتكاء دالا على كمال الراحة ، والطمأنينة ، واللذة . [ 57 ]
لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ
كثيرة ، من جميع أنواع الثمار اللذيذة ، من عنب وتين ، ورمان ، وغيرها .
وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ
أي : يطلبون ، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه . [ 58 ] ولهم أيضا
سَلامٌ
حاصل لهم
قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
. ففي هذا ، كلام الرب تعالى لأهل الجنة ، وسلامه عليهم ، وأكده بقوله :
قَوْلًا
وإذا سلّم عليهم الرب الرحيم ، حصلت لهم السلامة التامة ، من جميع الوجوه ، وحصلت لهم التحية ، الّتي لا تحية أعلى منها ، ولا نعيم مثلها . فما ظنك بتحية ملك الملوك ، الرب العظيم ، الرؤوف الرحيم ، لأهل دار كرامته ، الّذين أحل عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم أبدا . فلو لا أن اللّه تعالى ، قدّر أن يموتوا ، أو تزول قلوبهم عن أماكنهم من الفرح ، والبهجة ، والسرور ، لحصل ذلك . فنرجو ربنا ، أن لا يحرمنا ذلك النعيم ، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم . [ 59 ] لما ذكر تعالى جزاء المتقين ، ذكر جزاء المجرمين
وَ
أنهم يقال لهم يوم القيامة
امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
( 59 ) أي : تميزوا عن المؤمنين ، وكونوا على حدة ، ليوبخهم ، ويقرعهم على رؤوس الأشهاد ، قبل أن يدخلهم النار ، فيقول لهم : [ 60 - 61 ]
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ
أي : ألم آمركم وأوصيكم ، على ألسنة رسلي ، وأقول لكم :
يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
أي : لا تطيعوه ؟ وهذا التوبيخ ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي ، لأنها كلها طاعة للشيطان ، وعبادة له .
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
فحذرتكم منه ، غاية التحذير ، وأنذرتكم عن طاعته ، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه ،
وَ
أمرتكم
أَنِ اعْبُدُونِي
بامتثال أوامري وترك زواجري .
هذا
أي : عبادتي وطاعتي ، ومعصية الشيطان
صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
. فعلوم الصراط المستقيم وأعماله ، ترجع إلى هذين الأمرين . [ 62 ] أي : فلم تحفظوا عهدي ، ولم تعملوا بوصيتي ،
وَلَقَدْ
واليتم عدوكم ، وهو الشيطان ، الذي
أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
أي : خلقا كثيرا .
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
أي : فلا كان لكم عقل ، يأمركم بموالاة ربكم ، ووليكم الحقّ ، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا ، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك . [ 63 ] فإذا أطعتم الشيطان ، وعاديتم الرحمن ، وكذبتم بلقائه ، ووردتم القيامة دار الجزاء ، وحق عليكم القول بالعذاب
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
( 63 ) وتكذبون بها ، فانظروا إليها عيانا ، فهناك تنزعج منهم القلوب ، وتزوغ الأبصار ، ويحصل الفزع الأكبر . [ 64 ] ثمّ يكمل ذلك ، بأن يؤمر بهم إلى النار ، ويقال لهم :
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
( 64 ) أي : ادخلوها على وجه تصلاكم ، ويحيط بكم حرها ، ويبلغ منكم كلّ مبلغ ، بسبب كفركم بآيات اللّه ، وتكذيبكم لرسل اللّه .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 838 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي