تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 835

مساهمون:

ص٨٣٥
[ 33 - 34 ] أي
وَآيَةٌ لَهُمُ
على البعث والنشور ، والقيام بين يدي اللّه تعالى ، للجزاء على الأعمال ، هذه
الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ
الّتي أنزل اللّه عليها المطر ، فأحياها بعد موتها .
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
من جميع أصناف الزروع ، ومن جميع أصناف النبات ، الّتي تأكله أنعامهم
وَجَعَلْنا فِيها
أي : في تلك الأرض الميتة .
جَنَّاتٍ
أي : بساتين ، فيها أشجار كثيرة ، وخصوصا النخيل والأعناب ، واللذان هما أشرف الأشجار
وَفَجَّرْنا فِيها
أي : في الأرض
مِنَ الْعُيُونِ
. [ 35 ] جعلنا في الأرض تلك الأشجار ، والنخيل ، والأعناب
لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
قوتا وفاكهة ، وأدما ، ولذة .
وَ
الحال أن ذلك الثمر
ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
وليس لهم فيه صنع ولا عمل ، إن هو إلا صنعة أحكم الحاكمين ، وخير الرازقين . وأيضا فلم تعمله أيديهم ، بطبخ ولا غيره ، بل أوجد اللّه هذه الثمار ، غير محتاجة لطبخ ، ولا شيّ ، تؤخذ من أشجارها ، فتؤكل في الحال .
أَ فَلا يَشْكُرُونَ
من ساق لهم هذه النّعم ، وأسبغ عليهم من جوده وإحسانه ، ما به تصلح أمور دينهم ودنياهم . أليس الذي أحيا الأرض بعد موتها ، فأنبت فيها الزروع والأشجار ، وأودع فيها لذيذ الثمار ، وأظهر ذلك الجنى من تلك الغصون ، وفجّر الأرض اليابسة الميتة بالعيون ، بقادر على أن يحيي الموتى ؟ بلى ، إنه على كلّ شيء قدير . [ 36 ]
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
أي : الأصناف كلها
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
فنوّع فيها من الأصناف ، ما يعسر تعداده .
وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ
فنوّعهم إلى ذكر وأنثى ، وفاوت بين خلقهم ، وخلقهم ، وأوصافهم الظاهرة والباطنة .
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
من المخلوقات ، الّتي قد خلقت ، وغابت عن علمنا ، والّتي لم تخلق بعد . فسبحانه وتعالى ، أن يكون له شريك ، أو ظهير ، أو عوين ، أو وزير ، أو صاحبة ، أو ولد ، أو سميّ ، أو مثيل في صفات كماله ، ونعوت جلاله ، أو يعجزه شيء يريده . [ 37 ] أي :
وَآيَةٌ لَهُمُ
على نفوذ مشيئة اللّه ، وكمال قدرته ، وإحيائه الموتى بعد موتهم .
اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
أي : نزيل منه الضياء العظيم ، الذي طبق الأرض ، فنبدله بالظلمة ، ونحلها محله
فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
. [ 38 ] وكذلك نزيل هذه الظلمة ، الّتي عمتهم وشملتهم ، فنطلع الشمس ، فتضيء الأقطار ، وينتشر الخلق لمعايشهم ومصالحهم ، ولهذا قال :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
أي : دائما تجري لمستقر لها ، قدّره اللّه لها ، لا تتعداه ، ولا تقصر عنه ، وليس لها تصرف في نفسها ، ولا استعصاء على قدرة اللّه تعالى .
ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الذي بعزته ، دبّر هذه المخلوقات العظيمة ، بأكمل تدبير ، وأحسن نظام .
الْعَلِيمِ
الذي بعلمه ، جعلها مصالح لعباده ، ومنافع في دينهم ودنياهم .
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
ينزلها ، كل ليلة ينزل منها واحدة ،
حَتَّى
صغر جدا و
عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
أي : عرجون النخلة ، الذي من قدمه ، نش ، وصغر حجمه ، وانحنى ، ثمّ بعد ذلك ، ما زال يزيد شيئا فشيئا ، حتّى يتم نوره ، ويتسق ضياؤه .
وَكُلٌّ
من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، قدره اللّه تقديرا لا يتعداه ، ولكلّ له سلطان ووقت ، إذا وجد ، عدم الآخر ، ولهذا قال :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
أي :
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 835 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي