تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 836

مساهمون:

ص٨٣٦
في سلطانه الذي هو الليل ، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل .
وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه .
وَكُلٌّ
من الشّمس والقمر والنجوم
فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
أي : يترددون على الدوام . فكل هذا دليل ظاهر ، وبرهان باهر ، على عظمة الخالق ، وعظمة أوصافه . خصوصا ، وصف القدرة والحكمة ، والعلم في هذا الموضع . [ 41 - 42 ] أي : ودليل لهم وبرهان ، على أن اللّه وحده المعبود ، لأنه المنعم بالنعم ، الصارف للنقم ، الذي من جملة نعمه
أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
قال كثير من المفسرين : المراد بذلك : آباؤهم .
وَخَلَقْنا لَهُمْ
أي : للموجودين من بعدهم
مِنْ مِثْلِهِ
أي : من مثل ذلك ، أي : جنسه
ما يَرْكَبُونَ
به . فذكر نعمته على الآباء ، بحملهم في السفن ، لأن النعمة عليهم ، نعمة على الذرية . وهذا الموضع من أشكل المواضع عليّ في التفسير . فإن ما ذكره كثير من المفسرين ، من أن المراد بالذرية الآباء ، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء . بل فيه من الإبهام ، وإخراج الكلام عن موضوعه ، ما يأباه كلام رب العالمين ، وإرادته البيان والتوضيح لعباده . وثمّ احتمال أحسن من هذا ، وهو أن المراد بالذرية ، الجنس ، وأنهم هم بأنفسهم ، لأنهم هم ، من ذرية بني آدم . ولكن ينقض هذا المعنى قوله :
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ
( 42 ) إن أريد : وخلقنا من مثل ذلك الفلك ، أي لهؤلاء المخاطبين ، ما يركبون من أنواع الفلك ، فيكون ذلك تكريرا للمعنى ، تأباه فصاحة القرآن . فإن أريد بقوله :
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ
( 42 ) الإبل ، الّتي هي سفن البر ، استقام المعنى واتضح . إلا أنه يبقى أيضا ، أن يكون الكلام فيه تشويش ، فإنه لو أريد هذا المعنى ، لقال : وآية لهم أنّا حملناهم في الفلك المشحون ، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون . فأما أن يقول في الأول : حملنا ذريتهم ، وفي الثاني : حملناهم ، فإنه لا يظهر المعنى . إلا أن يقال : الضمير عائد إلى الذرية ، واللّه أعلم بحقيقة الحال . فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع ، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد اللّه تعالى . وذلك أن من عرف جلالة كتاب اللّه ، وبيانه التام من كلّ وجه ، للأمور الحاضرة والماضية ، والمستقبلة ، وأنه يذكر من كلّ معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله ، وكانت الفلك من آياته تعالى ، ونعمه على عباده ، من حين أنعم عليهم ، بتعلمها إلى يوم القيامة ، ولم تزل موجودة في كلّ زمان ، إلى زمان المواجهين بالقرآن . فلما خاطبهم اللّه تعالى بالقرآن ، وذكر حالة الفلك ، وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك ، في غير وقتهم ، وفي غير زمانهم ، حين يعلمهم صنعة الفلك البحرية ، والشراعية منها والبخارية ، والجوية السابحة في الجو ، كالطيور ونحوها ، والمراكب البرية ، مما كانت الآية العظمى فيه لا توجد إلا في الذرية ، نبّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها فقال :
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
( 41 ) أي : المملوء ركبانا وأمتعة . فحملهم اللّه تعالى ، ونجاهم بالأسباب الّتي علمهم اللّه إياها ، من الغرق ، ولهذا نبههم على نعمته عليهم ، حيث أنجاهم من الغرق ، مع قدرته على ذلك قال : [ 43 ]
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ
أي : لا أحد يصرخ لهم ، فيعاونهم على الشدة ، ولا يزيل عنهم المشقة