تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 832

مساهمون:

ص٨٣٢
يغل به العنق ، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل . وهذه الأغلال ، التي في الأعناق ، عظيمة
فَهِيَ
قد وصلت
إِلَى الْأَذْقانِ
قد رفعت رؤوسهم إلى فوق
فَهُمْ مُقْمَحُونَ
أي : رافعو رؤوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم ، فلا يستطيعون أن يخفضوها . [ 9 ]
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
أي : حاجزا يحجزهم عن الإيمان .
فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
قد غمرهم الجهل والشقاء ، من جميع جوانبهم ، فلم تفد فيهم النذارة . [ 10 ]
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 10 ) وكيف يأمن من طبع على قلبه ، ورأى الحق باطلا ، والباطل حقا ؟ والقسم الثاني : الذين قبلوا النذارة ، وقد ذكرهم بقوله : [ 11 ]
إِنَّما تُنْذِرُ
أي : إنما تنفع نذارتك ، ويتعظ بنصحك
مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
أي : من قصده اتباع الحق ، وما ذكر به
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ
أي : من اتصف بهذين الأمرين ، القصد الحسن في طلب الحق ، وخشية اللّه تعالى ، فهم الذين ينتفعون برسالتك ، ويزكون بتعليمك . ومن وفق لهذين الأمرين
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ
لذنوبه
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
لأعماله الصالحة ، ونيته الحسنة . [ 12 ]
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى
أي : نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال .
وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا
من الخير والشر ، وهو : أعمالهم الّتي عملوها وباشروها ، في حال حياتهم .
وَآثارَهُمْ
وهي : آثار الخير ، وآثار الشر ، الّتي كانوا هم السبب في إيجادها ، في حال حياتهم ، وبعد وفاتهم وتلك الأعمال الّتي نشأت من أقوالهم وأفعالهم ، وأحوالهم . فكل خير عمل به أحد من الناس ، بسبب علم العبد ، وتعليمه ، أو نصحه ، أو أمره بالمعروف ، أو نهيه عن المنكر . أو علم أودعه عند المتعلمين ، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته ، أو عمل خيرا ، من صلاة ، أو زكاة ، أو صدقة أو إحسان ، فاقتدى به غيره ، أو عمل مسجدا ، أو محلا من المحال ، الّتي يرتفق بها الناس ، وما أشبه ذلك ، فإنها من آثاره الّتي تكتب له ، وكذلك عمل الشر . ولهذا « من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . وهذا الموضع ، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى اللّه ، والهداية إلى سبيله ، بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك ، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه ، وأنه أسفل الخليقة ، وأشدهم جرما ، وأعظمهم إثما .
وَكُلَّ شَيْءٍ
من الأعمال والنيّات وغيرها
أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
أي : كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب ، الّتي تكون بأيدي الملائكة ، وهو اللوح المحفوظ . [ 13 ] أي : واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك ، الرادين لدعوتك ، مثلا يعتبرون به ، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير . وذلك المثل : أصحاب القرية ، وما جرى منهم من التكذيب لرسل اللّه ، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله . وتعيين تلك القرية ، لو كان فيه فائدة ، لعينها اللّه ، فالتعرض لذلك ، وما أشبهه من باب التكلف ، والتكلم بلا علم . ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا الأمر ، تجد عنده من الخبط والخلط . والاختلاف الذي لا يستقر له قرار ، ما تعرف به ، أن طريق العلم الصحيح ، الوقوف مع الحقائق ، وترك التعرض لما لا فائدة فيه . وبذلك تزكو النفس ،