تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 829

مساهمون:

ص٨٢٩
[ 38 ] لما ذكر تعالى جزاء أهل الدارين ، وذكر أعمال الفريقين ، أخبر عن سعة علمه تعالى ، واطلاعه على غيب السماوات والأرض ، الّتي غابت عن أبصار الخلق ، وعن علمهم ، وأنه عالم بالسرائر ، وما تنطوي عليه الصدور ، من الخير والشر ، والزكاء وغيره ، فيعطي كلا ما يستحقه ، وينزل كلّ أحد منزلته . [ 39 ] يخبر تعالى عن كمال حكمته ، ورحمته بعباده ، أنه قدر بقضائه السابق ، أن يجعل بعضهم ، يخلف بعضا في الأرض ، ويرسل لكلّ أمة من الأمم النذر ، فينظر كيف يعملون ؛ فمن كفر باللّه ، وبما جاءت به رسله ، فإن كفره عليه ، وعليه إثمه وعقوبته ، ولا يحمل عنه أحد ، ولا يزداد الكافر بكفره ، إلا مقت ربه له ، وبغضه إياه . وأي عقوبة ، أعظم من مقت الرب الكريم ؟
وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً
أي : يخسرون أنفسهم ، وأهليهم ، وأعمالهم ، ومنازلهم في الجنة . فالكافر لا يزال في زيادة من الشقاء والخسران ، والخزي عند اللّه وعند خلقه والحرمان . [ 40 ] يقول تعالى ، معجّزا لآلهة المشركين ، ومبينا نقصها ، وبطلان شركهم من جميع الوجوه .
قُلْ
يا أيها الرسول لهم :
أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : أخبروني عنهم ، هل هم مستحقون للدعاء والعبادة .
أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
هل خلقوا بحرا ، أم خلقوا جبالا ، أو خلقوا حيوانا ، أو خلقوا جمادا ؟ سيقرون أن الخالق لجميع الأشياء ، هو اللّه تعالى .
أَمْ لَهُمْ
أي : لشركائكم
شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
أي : مشاركة في خلقها وتدبيرها ؟ سيقولون : ليس لهم شركة في ذلك . فإذا لم يخلقوا شيئا ، ولم يشركوا الخلق في خلقه ، فلم عبدتموهم ، ودعوتموهم مع إقراركم بعجزهم ؟ فانتفى الدليل العقلي ، على صحة عبادتهم ، ودلّ على بطلانها . ثمّ ذكر الدليل السمعي ، وأنه أيضا منتف ، فلهذا قال :
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً
يتكلم بما كانوا به يشركون ، يأمرهم بالشرك ، وعبادة الأوثان .
فَهُمْ
في شركهم
عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ
أي : من ذلك الكتاب الذي نزل عليهم في صحة الشرك ؟ ليس الأمر كذلك ؟ فإنهم ما نزل عليهم كتاب قبل القرآن ، ولا جاءهم نذير قبل رسول اللّه ، محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ولو قدر نزول كتاب إليهم ، وإرسال رسول إليهم ، وزعموا أنه أمرهم بشركهم ، فإنا نجزم بكذبهم ، لأن اللّه قال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) . فالرسل والكتب ، كلها متفقة على الأمر بإخلاص الدين للّه تعالى
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ
. فإن قيل : إذا كان الدليل العقلي ، والدليل النقلي ، قد دلّا على بطلان الشرك ، فما الذي حمل المشركين على الشرك ، وفيهم ذوو العقول والذكاء والفطنة ؟ أجاب تعالى بقوله :
بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً
أي : ذلك الذي مشوا عليه ، ليس لهم فيه حجة ، وإنّما ذلك ، توصية بعضهم لبعض به ، وتزيين بعضهم لبعض واقتداء المتأخر بالمتقدم الضال ، وأمانيّ منّاها الشياطين ، وزينت لهم سوء أعمالهم . فنشأت في قلوبهم ، وصارت صفة من صفاتها ، فعسر زوالها ، وتعسر انفصالها ، فحصل ما حصل ، من الإقامة على الكفر ، والشرك الباطل المضمحل . [ 41 ] يخبر تعالى ، عن كمال قدرته ، وتمام رحمته ، وسعة حلمه ومغفرته ، وأنه تعالى ، يمسك السماوات والأرض عن الزوال ، فإنهما لو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق ، ولعجزت قدرهم وقواهم عنهما . ولكنه تعالى ، قضى أن يكونا كما وجدا ، ليحصل للخلق الاستقرار ، والنفع ، والاعتبار . وليعلموا من عظيم سلطانه ، وقوة قدرته ، ما به تمتلئ قلوبهم له إجلالا وتعظيما ، ومحبة ، وتكريما . وليعلموا كمال حلمه ومغفرته ، بإمهال المذنبين ، وعدم معاجلته للعاصين . مع أنه لو أمر السماء ، لحصبتهم ، ولو أذن للأرض ، لابتلعتهم . ولكن وسعتهم مغفرته ، وحلمه ، وكرمه
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً
في تأخير عقاب الكفار ،
غَفُوراً
لمن تاب . [ 42 - 43 ] أي : وأقسم هؤلاء ، الّذين كذبوك يا رسول اللّه ، قسما اجتهدوا فيه بالأيمان الغليظة .
لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
أي : أهدى من اليهود والنصارى ، أهل الكتب ، فلم يفوا بتلك الأقسام