تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 826

مساهمون:

ص٨٢٦
[ 25 ] أي وإن يكذبك أيها الرسول ، هؤلاء المشركون ، فلست أوّل رسول كذّب .
فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
على الحقّ ، وعلى صدقهم ، فيما أخبروهم به
وَبِالزُّبُرِ
أي : الكتب المكتوبة ، المجموع فيها كثير من الأحكام .
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
أي : المضيء في أخباره الصادقة ، وأحكامه العادلة . فلم يكن تكذيبهم إياهم ناشئا عن اشتباه ، أو قصور بما جاءتهم به الرسل ، بل بسبب ظلمهم وعنادهم . [ 26 ]
ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بأنواع العقوبات
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
عليهم ؟ كان أشد النكير وأعظم التنكيل . فإياكم وتكذيب هذا الرسول الكريم ، فيصيبكم كما أصاب أولئك ، من العذاب الأليم ، والخزي الوخيم . [ 27 - 28 ] يذكر تعالى خلقه للأشياء والمتضادات ، الّتي أصلها واحد ، ومادتها واحدة ، وفيها من التفاوت والفرق ، ما هو مشاهد معروف ، ليدل العباد ، على كمال قدرته ، وبديع حكمته . فمن ذلك : أن اللّه تعالى أنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات المختلفات ، والنباتات المتنوعات ، ما هو مشاهد للناظرين ، والماء واحد ، والأرض واحدة . ومن ذلك : الجبال الّتي جعلها اللّه أوتادا للأرض ، تجدها جبالا مشتبكة ، بل جبلا واحدا . وفيها ألوان متعددة ، فيها جدد بيض أي : طرائق بيض ، وفيها طرائق صفر وحمر ، وفيها غرابيب سود أي : شديدة السواد جدا . ومن ذلك : الناس والدواب ، والأنعام ، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف ، والأصوات ، والهيئات ، ما هو مرئي بالأبصار ، مشهود للنظار ، والكل من أصل واحد ومادة واحدة . فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة اللّه تعالى ، الّتي خصصت ما خصصت منها ، بلونه ، ووصفه ، وقدرة اللّه تعالى حيث أوجدها كذلك ، وحكمته ورحمته ، حيث كان ذلك الاختلاف ، وذلك التفاوت ، فيه من المصالح والمنافع ، ومعرفة الطرق ، ومعرفة الناس بعضهم بعضا ، ما هو معلوم . وذلك أيضا ، دليل على سعة علم اللّه تعالى ، وأنه يبعث من في القبور . ولكن الغافل ، ينظر في هذه الأشياء وغيرها ، نظر غفلة ، لا تحدث له تذكرا . وإنّما ينتفع بها من يخشى اللّه تعالى ، ويعلم بفكره الصائب ، وجه الحكمة فيها . ولهذا قال :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
فكل من كان باللّه أعلم ، كان أكثر له خشية . وأوجبت له خشية اللّه الانكفاف عن المعاصي ، والاستعداد للقاء من يخشاه . وهذا دليل على فضيلة العلم ، فإنه داع إلى خشية اللّه . وأهل خشيته ، هم أهل كرامته كما قال تعالى :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
كامل العزة ، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات .
غَفُورٌ
لذنوب التائبين . [ 29 ]
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ
أي : يتبعونه في أوامره ، فيمتثلونها ، وفي نواهيه ، فيتركونها ، وفي أخباره ، فيصدقونها ويعتقدونها ، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال . ويتلون أيضا ألفاظه ، بدراسته ، ومعانيه ، بتتبعها واستخراجها . ثمّ خص من التلاوة بعد ما عمّم ، الصلاة الّتي هي عماد الدين ، ونور المسلمين ، وميزان الإيمان ، وعلامة صدق الإسلام ، والنفقة على الأقارب والمساكين ، واليتامى ، وغيرهم ، من الزكاة والكفارات ، والنذور ، والصدقات
سِرًّا وَعَلانِيَةً
في جميع الأوقات .
يَرْجُونَ
بذلك
تِجارَةً لَنْ تَبُورَ
أي : لن تكسد وتفسد . بل تجارة ، هي أجل التجارات ، وأعلاها ، وأفضلها ، ألا وهي رضا ربهم ، والفوز بجزيل ثوابه ، والنجاة من سخطه وعقابه . وهذا فيه الإخلاص بأعمالهم ، وأنهم لا يرجون بها ، من المقاصد السيئة ، والنيات الفاسدة شيئا . [ 30 ] وذكر أنهم حصل لهم ما رجوه فقال :
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ
أي : أجور أعمالهم ، وعلى حسب قلتها ، وكثرتها ، وحسنها ، وعدمه
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
زيادة عن أجورهم .
إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
غفر لهم السيئات ، وقبل منهم القليل من الحسنات . [ 31 ] يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله
هُوَ الْحَقُّ
من كثرة ما اشتمل عليه ، من الحقّ ، وإحاطته بأصوله ، كأن الحقّ منحصر فيه ، فلا يكن في قلوبكم حرج منه ، ولا تتبرموا منه ، ولا تستهينوا به . فإذا كان هو