تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 809

مساهمون:

ص٨٠٩
الأموات ، وقيام الساعة ، وعارضوا بذلك رسله ، فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : باللّه وبرسله ، وبما جاءوا به . فقالوا بسبب كفرهم :
لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
أي : ما هي ، إلا هذه الحياة الدنيا ، نموت ونحيا . فأمر اللّه رسوله ، أن يرد قوله ويبطله ، ويقسم على البعث ، وأنه سيأتيهم فقال :
قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
، واستدل على ذلك بدليل من أقرّ به ، لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة ، وهو علمه تعالى الواسع العام فقال :
عالِمِ الْغَيْبِ
أي : الأمور الغائبة عن أبصارنا ، وعن علمنا ، فكيف بالشهادة ؟ ثمّ أكّد علمه فقال :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ
أي : لا يغيب عن علمه
مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
أي : جميع الأشياء بذواتها وأجزائها ، حتى أصغر ما يكون من الأجزاء ، وهي المثاقيل منها .
وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
أي : قد أحاط به علمه ، وجرى به قلمه ، وتضمنه الكتاب المبين ، الذي هو اللوح المحفوظ . فالذي لا يخفى عن علمه مثقال الذرة فما دونه ، في جميع الأوقات ، ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات ، وما يبقى من أجسادهم ، قادر على بعثهم ، من باب أولى ، وليس بعثهم بأعجب من هذا العلم المحيط . [ 4 ] ثمّ ذكر المقصود من البعث فقال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
بقلوبهم ، وصدقوا اللّه ، وصدقوا رسله تصديقا جازما
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
تصديقا لإيمانهم .
أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
لذنوبهم ، بسبب إيمانهم وعملهم ، يندفع بها كل شر وعقاب .
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
بإحسانهم ، يحصل لهم به كلّ مطلوب ومرغوب وأمنية . [ 5 ]
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
أي : سعوا فيها كفرا بها ، وتعجيزا لمن جاء بها ، وتعجيزا لمن أنزلها ، كما عجزوه في الإعادة بعد الموت .
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
أي : مؤلم لأبدانهم ، وقلوبهم . [ 6 ] لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث ، وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق ، ذكر حالة الموفقين من العباد ، وهم أهل العلم ، وأنهم يرون ما أنزل اللّه على رسوله ، من الكتاب ، وما اشتمل عليه من الأخبار ، هو الحقّ ، منحصر فيه ، وما خالفه وناقضه ، فإنه باطل ، لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين . ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه
يَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
وذلك لأنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة . من جهة علمهم ، بصدق ما أخبر به . ومن جهة موافقته للأمور الواقعة ، والكتب السابقة . ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها ، الّتي تقع عيانا . ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق ، وفي أنفسهم . ومن جهة موافقتها ، لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه . ويرون في الأوامر والنواهي ، أنها تهدي إلى الصراط المستقيم ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والإحسان إلى عموم الخلق ، ونحو ذلك . وتنهى عن كلّ صفة قبيحة ، تدنس النفس ، وتحبط الأجر ، وتوجب الإثم والوزر ، من الشرك ، والربا ، والظلم في الدماء والأموال ، والأعراض . وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة ، وعلامة لهم ، وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به الرسول ، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه ، كان من أهل العلم الّذين جعلهم اللّه حجة على ما جاء به الرسول ، احتج اللّه بهم على المكذبين المعاندين ، كما في هذه الآية وغيرها .