تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 807

مساهمون:

ص٨٠٧
يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ
الآية . [ 68 ] ولما علموا أنهم ، وكبراءهم ، مستحقون للعقاب ، أرادوا أن يشتفوا ممن أضلوهم ، فقالوا :
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً
( 68 ) فيقول اللّه لكل ضعف ، فكلكم اشتركتم في الكفر والمعاصي ، فتشتركون في العقاب ، وإن تفاوت عذاب بعضكم على بعض بحسب تفاوت الجرم . [ 69 ] يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، النبي الكريم ، الرؤوف الرحيم ، لئلا يقابلوه بضد ما يجب له من الإكرام والاحترام ، وأن لا يتشبهوا بحال الّذين آذوا موسى بن عمران ، كليم الرحمن ، فبرأه اللّه مما قالوا من الأذية ، أي أظهر اللّه لهم براءته . والحال أنه عليه الصلاة والسّلام ، ليس محل التهمة والأذية ، فإنه كان وجيها عند اللّه ، مقربا لديه ، من خواص المرسلين ، ومن عباد اللّه المخلصين ؛ فلم يزجرهم ما له من الفضائل ، عن أذيته ، والتعرض له بما يكره ، فاحذروا أيها المؤمنون ، أن تتشبهوا بهم في ذلك . والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل عن موسى ، لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم : « إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر » أي : كبير الخصيتين ، واشتهر ذلك عندهم . فأراد أن يبرئه منهم ، فاغتسل يوما ، ووضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فأهوى موسى عليه السّلام في طلبه ، فمرّ به على مجالس بني إسرائيل ، فرأوه أحسن خلق اللّه ، فزال عنه ما رموه به . [ 70 ] يأمر تعالى المؤمنين بتقواه ، في جميع أحوالهم ، في السر والعلانية ، ويخص منها ، ويندب للقول السديد ، وهو القول الموافق للصواب ، أو المقارب له ، عند تعذر اليقين ، من قراءة ، وذكر ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وتعلم علم وتعليمه ، والحرص على إصابة الصواب ، في المسائل العلمية ، وسلوك كلّ طريق يوصل لذلك ، وكل وسيلة تعين عليه . ومن القول السديد ، لين الكلام ولطفه ، في مخاطبة الأنام ، والقول المتضمن للنصح ، والإشارة بما هو الأصلح . [ 71 ] ثمّ ذكر ما يترتب على تقواه ، وقول القول السديد فقال :
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ
أي : يكون ذلك سببا لصلاحها ، وطريقا لقبولها ؛ لأن استعمال التقوى ، تتقبل به الأعمال كما قال تعالى :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
. ويوفق فيه الإنسان للعمل الصالح ، ويصلح اللّه الأعمال أيضا ، بحفظها عمّا يفسدها ، وحفظ ثوابها ومضاعفته . كما أن الإخلال بالتقوى ، والقول السديد سبب لفساد الأعمال ، وعدم قبولها ، وعدم ترتّب آثارها عليها .
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
أيضا
ذُنُوبَكُمْ
الّتي هي السبب في هلاككم . فبالتقوى تستقيم الأمور ، ويندفع بها كلّ محذور ولهذا قال :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً
. [ 72 ] يعظم تعالى شأن الأمانة ، الّتي ائتمن اللّه عليها المكلفين ، الّتي هي امتثال الأوامر ، واجتناب المحارم ، في حال السر والخفية ، كحال العلانية . وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة ، والسماوات والأرض والجبال ، عرض تخيير لا تحتيم ، وأنك إن قمت بها وأدّيتها على وجهها ، فلك الثواب ، وإن لم تقم بها ، ولم تؤدها ، فعليك العقاب ،
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها
أي خوفا أن لا يقمن بما حملن ، لا عصيانا لربهن ، ولا زهدا في ثوابه . وعرضها اللّه على الإنسان ، على ذلك الشرط المذكور ، فقبلها ، وحملها مع ظلمه وجهله ، وحمل هذا الحمل الثقيل . فانقسم الناس - بحسب قيامهم بها وعدمه - إلى ثلاثة أقسام : منافقون : قاموا بها ظاهرا لا باطنا ، ومشركون : تركوها ظاهرا وباطنا ، ومؤمنون : قائمون بها ظاهرا وباطنا . فذكر اللّه تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة ، وما لهم من الثواب والعقاب فقال : [ 73 ]
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 73 ) . فله تعالى الحمد ، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين ، الدالين على تمام مغفرة الله ،