تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 756

مساهمون:

ص٧٥٦
فأرسل اللّه لوطا إلى قومه ، وكانوا مع شركهم ، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور ، وقطع السبيل ، وفشو المنكرات في مجالسهم . فنصحهم لوط عن هذه الأمور ، وبيّن لهم قبائحها في نفسها ، وما تؤول إليه من العقوبة البليغة ، فلم يرعووا ، ولم يذكروا .
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
. فأيس منهم نبيهم ، وعلم استحقاقهم العذاب ، وجزع من شدة تكذيبهم له ، فدعا عليهم و
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
( 30 ) فاستجاب اللّه دعاءه ، فأرسل الملائكة لإهلاكهم . فمروا بإبراهيم قبل ذلك ، وبشروه بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب . [ 32 ] ثمّ سألهم إبراهيم أين يريدون ؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط فجعل يراجعهم ، ويقول :
إِنَّ فِيها لُوطاً
فقالوا له :
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
ثمّ مضوا حتى أتوا لوطا . [ 33 - 34 ] فساءه مجيئهم ، وضاق بهم ذرعا ، بحيث إنه لم يعرفهم ، وظن أنهم من جملة الضيوف أبناء السبيل ، فخاف عليهم من قومه ، فقالوا له :
لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ
وأخبروه أنهم رسل اللّه .
إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً
أي : عذابا
مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
. فأمروه أن يسري بأهله ليلا . فلما أصبحوا ، قلب اللّه عليهم ديارهم ، فجعل عاليها سافلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم ، فصاروا سمرا من الأسمار ، وعبرة من العبر . [ 35 ]
وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 35 ) أي : تركنا من ديار قوم لوط ، آثارا بينة لقوم يعقلون العبر بقلوبهم ، فينتفعون بها . كما قال تعالى :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 138 ) . [ 36 ] أي :
وَ
أرسلنا
إِلى مَدْيَنَ
القبيلة المعروفة المشهورة
أَخاهُمْ شُعَيْباً
الذي أمرهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له ، والإيمان بالبعث ورجائه ، والعمل له ، ونهاهم عن الإفساد في الأرض ، ببخس المكاييل والموازين والسعي بقطع الطرق . [ 37 ]
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي : عذاب اللّه
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
. أي : وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود ، وقد علمت قصتهم ، وتبين لكم بشيء تشاهدونه بأبصاركم من مساكنهم ، وآثارهم ، الّتي بانوا عنها . وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات ، المفيدة للبصيرة فكذبوهم ، وجادلوهم . [ 38 - 39 ]
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
حتى ظنوا أنها أفضل مما جاءتهم به الرسل . وكذلك قارون ، وفرعون ، وهامان ، حين بعث اللّه إليهم موسى بن عمران ، بالآيات البينات ، والبراهين الساطعات ، فلم ينقادوا ، واستكبروا في الأرض ، على عباد اللّه ، فأذلوهم ، وعلى الحقّ فردّوه ، فلم يقدروا على النجاء حين نزلت بهم العقوبة .
وَما كانُوا سابِقِينَ
اللّه ، ولا فائتين ، بل سلموا واستسلموا . [ 40 ]
فَكُلًّا
من هؤلاء الأمم المكذبة
أَخَذْنا بِذَنْبِهِ
على قدره ، وبعقوبة مناسبة له .
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ