تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 738

مساهمون:

ص٧٣٨
الظَّالِمِينَ
كانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة ، المتصلة بالعقوبة الأخروية . [ 41 ]
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
أي : جعلنا فرعون وملأه ، من الأئمة ، الّذين يقتدى بهم ، ويمشى خلفهم إلى دار الخزي والشقاء .
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ
من عذاب اللّه ، فهم أضعف شيء ، عن دفعه عن أنفسهم ، وليس لهم من دون اللّه ، من ولي ولا نصير . [ 42 ]
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
أي : وأتبعناهم ، زيادة في عقوبتهم وخزيهم ، في الدنيا لعنة ، يلعنون ، ولهم عند الخلق ، الثناء القبيح ، والمقت والذم . وهذا أمر مشاهد ، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ، ومقدمتهم .
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
المبعدين ، المستقذرة أفعالهم . الّذين اجتمع عليهم مقت اللّه ، ومقت خلقه ، ومقت أنفسهم . [ 43 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
وهو التوراة
مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى
الّذين خاتمتهم ، في الإهلاك العام ، فرعون وجنوده . وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة ، انقطع الهلاك العام ، وشرع جهاد الكفار بالسيف .
بَصائِرَ لِلنَّاسِ
أي : كتاب اللّه الذي أنزله على موسى ، فيه بصائر للناس ، أي : أمور يبصرون بها ، ما ينفعهم ، وما يضرهم ، فتقوم الحجة على العاصي ، وينتفع بها المؤمن ، فتكون رحمة في حقه ، وهداية إلى الصراط المستقيم ، ولهذا قال :
وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
. ولما قص اللّه على رسوله ، ما قص من هذه الأخبار الغيبية ، نبه العباد ، على أن هذا خبر إلهي محض ، ليس للرسول ، طريق إلى علمه ، إلا من جهة الوحي ، ولهذا قال : [ 44 ]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
أي : بجانب الطور الغربي
إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
على ذلك ، حتى يقال : إنه وصل إليك من هذا الطريق . [ 45 ]
وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
فاندرس العلم ، ونسيت آياته . فبعثناك في وقت اشتدت الحاجة إليك ، وإلى ما علمناك ، وأوحينا إليك .
وَما كُنْتَ ثاوِياً
أي : مقيما
فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا
أي : تعلمهم ، وتتعلم منهم ، حتى أخبرت ، من شأن موسى في مدين .
وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
أي : ولكن ذلك الخبر ، الذي جئت به عن موسى ، أثر من آثار إرسالنا إياك ، ووحي لا سبيل لك إلى علمه ، بدون إرسالنا . [ 46 ]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا
موسى ، وأمرناه أن يأتي القوم الظالمين ، ويبلغهم رسالتنا ، ويريهم من آياتنا وعجائبنا ، ما قصصنا عليك . والمقصود ، أن المجريات ، الّتي جرت لموسى ، عليه الصلاة والسّلام ، في هذه الأماكن ، فقصصتها كما هي ، من غير زيادة ولا نقص ، لا يخلو من أحد أمرين : إما أن تكون حضرتها وشاهدتها ، ذهبت إلى محالها ، فتعلمتها من أهلها . فحينئذ قد لا يدل ذلك ، على أنك رسول اللّه ، إذ الأمور الّتي يخبر بها عن شهادة ودراسة ، من الأمور المشتركة ، غير المختصة بالأنبياء . ولكن هذا قد علم وتيقّن أنه ما كان وما صار . فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك . فتعين الأمر الثاني ، وهو : أن هذا جاءك من قبل اللّه ووحيه وإرساله . فثبت بالدليل القطعي ، صحة رسالتك ، ورحمة اللّه بك للعباد ، ولهذا قال :
وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 738 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي