تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 740

مساهمون:

ص٧٤٠
هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
فهذا من أضل الناس ، حيث عرض عليه الهدى ، والصراط المستقيم ، الموصل إلى اللّه وإلى دار كرامته ، فلم يلتفت إليه ، ولم يقبل عليه . ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء ، فاتبعه ، وترك الهدى . فهل أحد أضل ممن هذا وصفه ؟ ولكن ظلمه وعدوانه ، وعدم محبته للحق ، هو الذي أوجب له : أن يبقى على ضلاله ولا يهديه اللّه ، فلهذا قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
أي : الّذين صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا ، جاءهم الهدى فرفضوه ، وعرض لهم الهوى ، فتبعوه . سدوا على أنفسهم أبواب الهداية وطرقها ، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها . فهم في غيهم وظلمهم يعمهون ، وفي شقائهم وهلاكهم ، يترددون . وفي قوله :
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ
دليل على أن كلّ من لم يستجب للرسول ، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول ، فإنه لم يذهب إلى هدى ، وإنّما ذهب إلى هوى . [ 51 ]
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ
أي : تابعناه وواصلناه ، وأنزلناه شيئا فشيئا ، رحمة بهم ولطفا
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
حين تتكرر عليهم آياته ، وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها . فصار نزوله متفرقا ، رحمة بهم ، فلم اعترضوا على ما هو من مصالحهم ؟

فصل في ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة

فمنها : أن آيات اللّه وعبره ، وأيامه في الأمم السابقة ، إنّما يستفيد بها ويستنير ، المؤمنون ، فعلى حسب إيمان العبد ، تكون عبرته . وإن اللّه تعالى إنّما يسوق القصص لأجلهم ، وأما غيرهم ، فلا يعبأ اللّه بهم ، وليس لهم منها نور وهدى . ومنها : أن اللّه تعالى ، إذا أراد أمرا ، هيّأ أسبابه ، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج ، لا دفعة واحدة . ومنها : أن الأمة المستضعفة ، ولو بلغت في الضعف ما بلغت ، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل ، عن طلب حقها ، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور ، خصوصا إذا كانوا مظلومين ، كما استنقذ اللّه أمّة بني إسرائيل ، الأمة الضعيفة ، من أسر فرعون وملئه ، ومكّنهم في الأرض ، وملّكهم بلادهم . ومنها : أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة ، لا تأخذ حقها ، ولا تتكلم به ، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ، ولا يكون لها إمامة فيه . [ ثمّ توعّد تعالى المخذلين المعوقين ، وتهددهم فقال :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
عن الخروج ، لمن لم يخرجوا
وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ
الّذين خرجوا
هَلُمَّ إِلَيْنا
أي : ارجعوا ، كما تقدم من قولهم :
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا
. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم
لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ
أي : القتال والجهاد ، بأنفسهم
إِلَّا قَلِيلًا
فهم أشد الناس حرصا على التخلف ، لعدم الداعي لذلك ، من الإيمان والصبر . ولوجود المقتضي للجبن ، من النفاق ، وعدم الإيمان .
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ
بأبدانهم عن القتال ، وبأموالهم عند النفقة فيه ، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم .
فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ
أي : نظر المغشي عليه
مِنَ الْمَوْتِ
من شدة الجبن ، الذي خلع قلوبهم ، والقلق الذي أذهلهم ، وخوفا من إجبارهم على ما يكرهون من القتال .
فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ
وصاروا في حال الأمن والطمأنينة .
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
أي : خاطبوكم ، وتكلموا معكم ، بكلام حديد ، ودعاوى غير صحيحة . وحين تسمعهم ، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام ،
أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ
الذي يراد منهم . وهذا شر ما في الإنسان ، أن يكون شحيحا بما أمر به ، شحيحا بماله أن ينفقه في وجهه ، شحيحا في بدنه أن يجاهد أعداء اللّه ، أو يدعو إلى سبيل اللّه ، شحيحا بجاهه ، شحيحا بعلمه ، ونصيحته ، ورأيه .
أُولئِكَ
الّذين بتلك الحالة
لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ
بسبب عدم إيمانهم ،
وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
. وأما المؤمنون ، فقد وقاهم اللّه ، شح أنفسهم ، ووفقهم لبذل ما أمروا به ، من بذل أبدانهم في القتال في سبيله ، وإعلاء كلمته ، وأموالهم ، للنفقة في طرق الخير ، وجاههم وعلمهم .
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا
أي : يظنون أن هؤلاء الأحزاب ، الّذين