تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 735

مساهمون:

ص٧٣٥
ويسقيها .
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
أي : إن موسى ، أولى من استؤجر ، فإنه جمع القوة والأمانة ، وخير أجير استؤجر ، من جمعها ، القوة والقدرة ، على ما استؤجر عليه ، والأمانة فيه بعدم الخيانة . وهذان الوصفان ، ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا ، بإجارة أو غيرها . فإن الخلل لا يكون إلا بفقدهما ، أو فقد إحداهما ، وأما باجتماعهما ، فإن العمل يتم ويكمل . وإنما قالت ذلك ، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ، ونشاطه ، ما عرفت به قوته ، وشاهدت من أمانته وديانته ، وأنه رحمهما في حالة لا يرجى نفعهما ، وإنما قصده بذلك وجه اللّه تعالى . [ 27 ]
قالَ
صاحب مدين لموسى
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي
أي : تصير أجيرا عندي
ثَمانِيَ حِجَجٍ
أي : ثماني سنين .
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ
تبرع منك ، لا شيء واجب عليك .
وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
فأحتّم عشر السنين ، وما أريد أن أستأجرك ، لأكلفك أعمالا شاقة ، وإنما استأجرتك ، لعمل سهل يسير ، لا مشقة فيه
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
فرغبه في سهولة العمل ، وفي حسن المعاملة . وهذا يدل على أن الرجل الصالح ، ينبغي أن يحسن خلقه ، مهما أمكنه ، وأن الذي يطلب منه ، أبلغ من غيره . [ 28 ]
قالَ
موسى عليه السلام - مجيبا له فيما طلبه منه - :
ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
أي : هذا الشرط ، الذي أنت ذكرت ، رضيت به ، وقد تم فيما بيني وبينك .
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ
سواء قضيت الثماني الواجبة ، أم تبرعت بالزائد عليها
وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
حافظ يراقبنا ، ويعلم ما تعاقدنا عليه . وهذا الرجل ، أبو المرأتين ، صاحب مدين ، ليس بشعيب النبي المعروف ، كما اشتهر عن كثير من الناس ، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل . وغاية ما يكون ، أن شعيبا عليه السلام ، قد كانت بلده مدين ، هذه القضية ، جرت في مدين ، فأين الملازمة بين الأمرين ؟ . وأيضا ، فإنه غير معلوم ، أن موسى أدرك زمان شعيب ، فكيف بشخصه ؟ ولو كان ذلك الرجل شعيبا ، لذكره اللّه تعالى ، ولسمته المرأتان ، أيضا فإن شعيبا ، عليه الصلاة والسلام ، قد أهلك اللّه قومه بتكذيبهم إياه . ولم يبق إلا من آمن به . وقد أعاذ اللّه المؤمنين به ، أن يرضوا لبنتي نبيهم ، بمنعهما عن الماء ، وصد ماشيتهما ، حتى يأتيهما رجل غريب ، فيحسن إليهما ، ويسقي ماشيتهما . وما كان شعيب ، ليرضى أن يرعى موسى عنده ، ويكون خادما له ، وهو أفضل منه ، وأعلى درجة ، إلا أن يقال : هذا قبل نبوة موسى ، فلا منافاة . وعلى كل حال ، لا يعتمد على أنه شعيب النبي ، بغير نقل صحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللّه أعلم . [ 29 ]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ
يحتمل أنه قضى الأجل الواجب ، أو الزائد عليه ، كما هو الظن بموسى ، ووفائه ، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ، ووالدته ، وعشيرته ، ووطنه ، وظن من طول المدة ، أنهم قد تناسوا ما صدر منه .
وَسارَ بِأَهْلِهِ
قاصدا مصر
آنَسَ
أي : أبصر
مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
وكان قد أصابهم البرد ، وتاهوا الطريق .