تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 741

مساهمون:

ص٧٤١
تحزبوا على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصحابه ، لم يذهبوا حتى يستأصلوهم ، فخاب ظنهم ، وبطل حسبانهم .
وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ
مرة أخرى
يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ
أي : لو أتى الأحزاب مرة ثانية مثل هذه المرة ، ودّ هؤلاء المنافقون ، أنهم ليسوا في المدينة ، ولا في القرب منها ، وأنهم مع الأعراب في البادية ، يستخبرون عن أخباركم ، ويسألون عن أنبائكم ، ما ذا حصل عليكم ؟ فتبا لهم ، وبعدا ، فليسوا ممن يغالى بحضورهم
وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
فلا تبالوهم ، ولا تأسوا عليهم .
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
حيث حضر الهيجاء بنفسه الكريمة ، وباشر موقف الحرب ، وهو الشريف الكامل ، والبطل الباسل . فكيف تشحون بأنفسكم ، عن أمر جاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بنفسه فيه ؟ فتأسوا به في هذا الأمر وغيره . واستدل الأصوليون في هذه الآية ، على الاحتجاج بأفعال الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن الأصل ، أن أمته أسوته في الأحكام ، إلا ما دلّ الدليل الشرعي على الاختصاص به . فالأسوة نوعان : أسوة حسنة ، وأسوة سيئة . فالأسوة الحسنة ، في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن المتأسّي به ، سالك الطريق الموصل إلى كرامة اللّه ، وهو الصراط المستقيم . وأما الأسوة بغيره ، إذا خالفه ، فهو الأسوة السيئة ، كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسّي بهم ] « 1 » . ومنها : لطف اللّه بأم موسى ، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة ، بأن اللّه سيرد إليها ابنها ، ويجعله من المرسلين . ومنها : أن اللّه يقدّر على عبده بعض المشاق ، لينيله سرورا أعظم من ذلك ، أو يدفع عنه شرا أكثر منه . كما قدّر على أم موسى ، ذلك الحزن الشديد ، والهم البليغ ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها ، على وجه تطمئن به نفسها ، وتقر به عينها ، وتزداد به غبطة وسرورا . ومنها : أن الخوف الطبيعي من الخلق ، لا ينافي الإيمان ولا يزيله ، كما جرى لأم موسى ، ولموسى من تلك المخاوف . ومنها : أن الإيمان يزيد وينقص . وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان ، ويتم به اليقين ، الصبر عند المزعجات ، والتثبيت من اللّه ، عند المقلقات ، كما قال تعالى :
لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي : ليزداد إيمانها بذلك ، ويطمئن قلبها . ومنها أن من أعظم نعم اللّه على عبده وأعظم معونة للعبد على أموره ، تثبيت اللّه إياه ، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف ، وعند الأمور المذهلة ، فإنه بذلك ، يتمكن من القول الصواب ، والفعل الصواب . بخلاف من استمر قلقه وروعه ، وانزعاجه ، فإنه يضيع فكره ، ويذهل عقله ، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال . ومنها : أن العبد - ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد اللّه نافذ لا بد منه فإنه لا يهمل فعل الأسباب ، الّتي أمر بها ، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر اللّه . فإن اللّه قد وعد أم موسى أن يرده عليها ، ومع ذلك ، اجتهدت في رده ، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه . ومنها : جواز خروج المرأة في حوائجها ، وتكليمها للرجال ، من غير محذور ، كما جرى لأخت موسى ، وابنتي صاحب مدين . ومنها : جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع ، والدلالة على من يفعل ذلك . ومنها : أن اللّه من رحمته بعبده الضعيف ، الذي يريد إكرامه ، أن يريه من آياته ، ويشهده من بيناته ، ما يزيد به إيمانه ، كما رد اللّه موسى إلى أمه ، لتعلم أن وعد اللّه حق . ومنها : أن قتل الكافر ، الذي له عهد بعقد أو عرف ، لا يجوز . فإن موسى عليه السّلام عدّ قتله القبطي الكافر ،
هامش
( 1 ) ما بين المعكوفتين ساقط من المطبوعة الّتي بين أيدينا ، والنص موافق للسياق واللّه أعلم .