تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
وعدناها به عيانا ، ليطمئن بذلك قلبها ، ويزداد إيمانها ، ولتعلم أنه سيحصل وعد اللّه ، في حفظه ، ورسالته . .
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فإذا رأوا السبب متشوشا ، شوش ذلك إيمانهم ، لعدم علمهم الكامل ، أن اللّه تعالى يجعل المحن والعقبات الشاقة ، بين يدي الأمور العالية ، والمطالب الفاضلة . فاستمر موسى عليه الصلاة والسّلام عند آل فرعون ، يتربى في سلطانهم ، ويركب مراكبهم ، ويلبس ملابسهم . وأمه بذلك مطمئنة ، قد استقر أنها أمه من الرضاع ، ولم يستنكر ملازمته إياها ، وحنوه عليها . وتأمل هذا اللطف من اللّه ، وصيانة نبيه موسى من الكذب في منطقه ، وتيسير الأمر ، الذي صار به التعلق ، بينه وبينها ، الذي بان للناس ، أنه هو الرضاع ، الذي بسببه يسميها أمّا ، فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كله ، صدقا وحقا . [ 14 ]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
من القوة والعقل واللب ، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب .
وَاسْتَوى
فكملت فيه تلك الأمور
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
أي : حكما يعرف به الأحكام الشرعية ، ويحكم به بين الناس ، وعلما كثيرا .
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
في عبادة اللّه المحسنين ، لخلق اللّه ، يعطيهم علما وحكما ، بحسب إحسانهم ، ودلّ هذا على كمال إحسان موسى عليه السّلام . [ 15 - 16 ]
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
إما وقت القائلة ، أو غير ذلك من الأوقات ، الّتي بها يغفلون عن الانتشار .
فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ
يتخاصمان ويتضاربان
هذا مِنْ شِيعَتِهِ
أي : من بني إسرائيل
وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
كالقبط .
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ
لأنه قد اشتهر ، وعلم الناس أنه من بني إسرائيل ، واستغاثته لموسى ، دليل على أنه بلغ موسى عليه السّلام مبلغا يخاف منه ، ويرجى من بيت المملكة والسلطان .
فَوَكَزَهُ مُوسى
أي : وكز الذي من عدوه ، استجابة لاستغاثة الإسرائيلى
فَقَضى عَلَيْهِ
أي : أماته من تلك الوكزة ، لشدتها ، وقوة موسى . فندم موسى عليه السّلام على ما جرى منه ، و
قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
أي : من تزيينه ، ووسوسته
إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
فلذلك أجريت ما أجريت بسبب عداوته البينة ، وحرصه على الإضلال . ثمّ استغفر ربه
قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 16 ) خصوصا للمخبتين إليه ، المبادرين للإنابة والتوبة ، كما جرى من موسى عليه السّلام . [ 17 ]
قالَ
موسى
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
بالتوبة والمغفرة ، والنعم الكثيرة .
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً
أي : معينا ومساعدا
لِلْمُجْرِمِينَ
أي : لا أعين أحدا على معصية . وهذا وعد من موسى عليه السّلام ، بسبب منّة اللّه عليه ، أن لا يعين مجرما ، كما فعل في قتل القبطي . وهذا يفيد أن النعم ، تقتضي من العبد فعل الخير ، وترك الشر . [ 18 ] ( ف ) لما جرى منه قتل الذي هو من عدوه أصبح
فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ
هل يشعر به آل فرعون ، أم لا ؟ وإنّما خاف لأنه قد علم ، أنه لا يتجرأ أحد على مثل هذه الحال ، سوى موسى ، من بني إسرائيل . فبينما هو على تلك الحال
فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ
على عدوّه
يَسْتَصْرِخُهُ
على قبطي آخر .
قالَ لَهُ مُوسى
موبخا على حاله
إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
أي : بين الغواية ، ظاهر الجراءة . [ 19 ]
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ
موسى
بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما
أي : له وللمخاصم المستصرخ لموسى ، أي : لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي ، وهو يستغيث بموسى ، فأخذته الحمية ، حتى هم أن يبطش بالقبطي .
قالَ
له القبطي زاجرا له عن قتله :
يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
لأن من أعظم آثار الجبار في الأرض ، قتل النفس بغير حق .
وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
وإلا ، فلو أردت الإصلاح ، لحلت بيني وبينه ، من غير قتل أحد . فانكفّ موسى عن قتله ، وارعوى ، لوعظه وزجره . وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين ، حتى تراود ملأ فرعون ، وفرعون على قتله ، وتشاوروا على ذلك . فقيّض اللّه ، ذلك الرجل الناصح ، وبادر إلى الإخبار لموسى بما اجتمع عليه رأي ملئهم . فقال :