تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
[ 20 - 21 ]
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى
أي : ركضا على قدميه ، من نصحه لموسى ، وخوفه أن يوقعوا به ، قبل أن يشعر .
قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
أي : يتشاورون فيك
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ
عن المدينة
إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
. فامتثل نصحه
فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ
أن يوقع به القتل ، ودعا اللّه .
قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فإنه قد تاب من ذنبه وفعله غضبا ، من غير قصد منه للقتل ، فتوعّدهم له ، ظلم منهم وجراءة . [ 22 ]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ
أي : قاصدا بوجهه مدين ، وهو جنوبي فلسطين ، حيث لا ملك فيه لفرعون .
قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ
أي : وسط الطريق المختصر ، الموصل إليها ، بسهولة ورفق ، فهداه اللّه سواء السبيل ، فوصل إلى مدين . [ 23 ]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
مواشيهم ، وكانوا أهل ماشية كثيرة
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ
أي : دون تلك الأمة
امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ
غنمهما ، عن حياض الناس ، لعجزهما عن مزاحمة الرجال ، وبخلهم ، وعدم مروءتهم ، السقي لهما .
قالَ
لهما موسى
ما خَطْبُكُما
أي : ما شأنكما بهذه الحالة .
قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
أي : قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، فإذا خلا لنا الجو ، سقينا .
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
أي : لا قوة له على السقي ، فليس فينا قوة ، نقتدر بها ، ولا لنا رجال ، يزاحمون الرعاء . [ 24 ] فرقّ لهما موسى عليه السّلام ورحمهما
فَسَقى لَهُما
غير طالب منهما الأجر ، ولا له قصد ، غير وجه اللّه تعالى . فلما سقى لهما ، وكان ذلك وقت شدة حر ، وسط النهار ، بدليل قوله :
ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
مستريحا لتلك الظلال بعد التعب .
فَقالَ
في تلك الحالة ، مسترزقا ربه
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
أي : إني مفتقر للخير ، الذي تسوقه إليّ ، وتيسره لي ، وهذا سؤال منه بحاله ، والسؤال بالحال ، أبلغ من السؤال بلسان المقال . فلم يزل في هذه الحالة ، داعيا ربه متملقا . [ 25 ] وأما المرأتان ، فذهبتا إلى أبيهما ، وأخبرتاه بما جرى . فأرسل أبوهما ، إحداهما إلى موسى ، فجاءته
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ
. وهذا يدل على كرم عنصرها ، وخلقها الحسن ، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة ، وخصوصا في النساء . ويدل على أن موسى عليه السّلام ، لم يكن فيما فعله من السقي ، بمنزلة الأجير والخادم ، الذي لا يستحى منه عادة ، وإنّما هو عزيز النفس ، رأت من حسن خلقه ، ومكارم أخلاقه ، ما أوجب لها الحياء منه .
قالَتْ
له :
إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
أي : لا لمنّ عليك ، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان ، وإنّما قصده أن يكافئك على إحسانك . فأجابها موسى .
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ
من ابتداء السبب الموجب لهربه ، إلى أن وصل إليه
قالَ
مسكنا روعه ، جابرا قلبه :
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي : ليذهب خوفك وروعك ، فإن اللّه نجاك منهم ، حيث وصلت إلى هذا المحل ، الذي ليس لهم عليه سلطان . [ 26 ]
قالَتْ إِحْداهُما
أي : إحدى ابنتيه
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ
أي : اجعله أجيرا عندك ، يرعى الغنم