تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 719

مساهمون:

ص٧١٩
عليهم الصلاة والسّلام ، الأدب الكامل ، والتعجب في موضعه ، وأن لا يبلغ بهم الضحك ، إلا إلى التبسم . كما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جلّ ضحكه ، التبسم ، فإن القهقهة ، تدل على خفة العقل ، وسوء الأدب . وعدم التبسم والعجب ، مما يتعجب منه ، يدل على شراسة الخلق ، والجبروت . والرسل منزهون عن ذلك . وقال شاكرا للّه ، الذي أوصله إلى هذه الحال :
رَبِّ أَوْزِعْنِي
أي : ألهمني ووفقني
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ
. فإن النعمة على الوالدين ، نعمة على الولد . فسأل ربه ، التوفيق للقيام بشكر نعمته ، الدينية ، والدنيوية ، عليه وعلى والديه .
وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
أي : ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه ، لكونه موافقا لأمرك ، مخلصا فيه ، سالما من المفسدات والمنقصات .
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
التي منها الجنة
فِي
جملة
عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
فإن الرحمة مجعولة للصالحين ، على اختلاف درجاتهم ومنازلهم . فهذا نموذج ، ذكره اللّه من حالة سليمان ، عند سماعه خطاب النملة ونداءها . [ 20 ] ثمّ ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير فقال :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ
دل هذا ، على كمال عزمه وحزمه ، وحسن تنظيمه لجنوده ، وتدبيره بنفسه ، للأمور الصغار والكبار . حتى إنه لم يهمل هذا الأمر ، وهو : تفقد الطيور ، والنظر ، هل هي موجودة كلها ، أم مفقود منها شيء ؟ وهذا هو المعنى للآية . ولم يصنع شيئا من قال : إنه تفقد الطير ، لينظر أين الهدهد منه ، ليدله على بعد الماء وقربه ، كما زعموا عن الهدهد ، أنه يبصر الماء تحت الأرض الكثيفة ، فإن هذا القول ، لا يدل عليه دليل ، بل الدليل العقلي واللفظي ، دال على بطلانه . أما العقلي : فإنه قد عرف بالعادة ، والتجارب ، والمشاهدات ، أن هذه الحيوانات كلها ، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق للعادة ، وينظر الماء تحت الأرض الكثيفة ، ولو كان كذلك ، لذكره اللّه ، لأنه من أكبر الآيات . وأما الدليل اللفظي : فلو أريد هذا المعنى ، لقال : « وطلب الهدهد لينظر له الماء ، فلما فقده قال ما قال » أو « فتش عن الهدهد ، أو بحث عنه » ونحو ذلك من العبارات . وإنّما تفقد الطير ، لينظر الحاضر منها والغائب ، ولزومها للمراكز والمواضع ، التي عينها لها . وأيضا فإن سليمان عليه السّلام ، لا يحتاج ، ولا يضطر إلى الماء ، بحيث يحتاج لهندسة الهدهد . فإن عنده من الشياطين ، والعفاريت ، ما يحفرون له الماء ، ولو بلغ في العمق ما بلغ . وسخر اللّه له الريح ، غدوها شهر ، ورواحها شهر ، فكيف - مع ذلك - يحتاج إلى الهدهد ؟ وهذه التفاسير ، التي توجد ، وتشتهر بها أقوال ، لا يعرف غيرها ، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل ، مجردة ، ويغفل الناقل عن مناقضتها للمعاني الصحيحة ، وتطبيقها على الأقوال ، ثمّ لا تزال تتناقل ، وينقلها المتأخر مسلما للمتقدم ، حتى يظن أنها الحقّ . فيقع من الأقوال الردية في التفاسير ، ما يقع . واللبيب الفطن ، يعرف أن هذا القرآن الكريم ، العربي المبين ، الذي خاطب اللّه به الخلق كلهم ، عالمهم ، وجاهلهم ، وأمرهم بالتفكر في معانيه ، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني ، التي لا تجهلها العرب العرباء ، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ردها إلى هذا الأصل . فإن وافقه ، قبلها ، لكون اللفظ دالا عليها ، وإن خالفته لفظا ومعنى ، أو لفظا أو معنى ، ردها ، وجزم ببطلانها ، لأن عنده أصلا معلوما ، مناقضا لها ، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ودلالته . والشاهد أن تفقد سليمان عليه السّلام للطير ، وفقده الهدهد ، يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه ، وكمال فطنته ، حتى تفقد هذا الطائر الصغير
فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ
أي : هل عدم رؤيتي إياه ، لقلة فطنتي به ، لكونه خفيا بين هذه الأمم الكثيرة ؟ . أم على بابها ، بأن كان غائبا من غير إذني ، ولا أمري ؟ . [ 21 ] فحينئذ تغيظ عليه ، وتوعده فقال :
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً
دون القتل ،
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي : حجة واضحة على تخلفه . وهذا من كمال ورعه وإنصافه ، أنه لم يقسم على مجرد عقوبته ، بالعذاب أو القتل ، لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب . وغيبته ، قد تحتمل أنها لعذر واضح ، فلذلك استثناه ، لورعه وفطنته .