تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
عارضها واعترضها فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إلى
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
. أي : وقال الكافرون باللّه ، الذي أوجب لهم كفرهم ، أن قالوا في القرآن والرسول : إن هذا القرآن كذب ، كذبه محمد ، وإفك ، افتراه على اللّه ، وأعانه على ذلك قوم آخرون . فرد اللّه عليهم ذلك ، بأن هذا مكابرة منهم ، وإقدام على الظلم والزور ، الذي لا يمكن ، أن يدخل عقل أحد ، وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكمال صدقه ، وأمانته ، وبره التام ، وأنه لا يمكنه ، لا هو ، ولا سائر الخلق ، أن يأتوا بهذا القرآن ، الذي هو أجل الكلام وأعلاه ، وأنه لم يجتمع بأحد يعينه ، على ذلك ، فقد جاءوا بهذا القول ظلما وزورا . [ 5 ]
وَ
من جملة أقاويلهم فيه ، أن
قالُوا
: هذا الذي جاء به محمد
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها
أي : هذا قصص الأولين وأساطيرهم ، التي تتلقاها الأفواه ، وينقلها كل أحد ، استنسخها محمد
فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
وهذا القول منهم ، فيه عدة عظائم : منها : رميهم الرسول ، الذي هو أبر الناس وأصدقهم ، بالكذب ، والجرأة العظيمة . ومنها : إخبارهم عن هذا القرآن ، الذي هو أصدق الكلام وأعظمه ، وأجله ، بأنه كذب وافتراء . ومنها : أن في ضمن ذلك ، أنهم قادرون أن يأتوا بمثله ، وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه ، للخالق الكامل من كل وجه ، بصفة من صفاته ، وهي الكلام . ومنها : أن الرسول ، قد علمت حاله ، وهم أشد الناس علما بها ، أنه لا يكتب ، ولا يجتمع بمن يكتب له ، وهم قد زعموا ذلك . [ 6 ] فلذلك رد عليهم ذلك بقوله :
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : أنزله من أحاط علمه بما في السماوات ، وما في الأرض ، من الغيب والشهادة ، والجهر والسر ، لقوله :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
( 194 ) . ووجه إقامة الحجة عليهم ، أن الذي أنزله ، هو المحيط علمه بكل شيء فيستحيل ويمتنع ، أن يقول مخلوق ، ويتقول عليه ، هذا القرآن ، ويقول : هو من عند اللّه ، وما هو من عنده ، ويستحل دماء من خالفه ، وأموالهم ، ويزعم أن اللّه قال له ذلك . واللّه يعلم كل شيء ، ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه ، ويمكنه من رقابهم وبلادهم ، فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن ، إلا بعد إنكار علم اللّه . وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم ، سوى الفلاسفة الدهرية . وأيضا ، فإن ذكر علمه تعالى العام ، ينبههم ، ويحضهم على تدبر القرآن ، وأنهم لو تدبروا ، لرأوا فيه ، من علمه وأحكامه ، ما يدل دلالة قاطعة ، على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة . ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف اللّه بهم ، أنه لم يدعهم وظلمهم ، بل دعاهم إلى التوبة والإنابة إليه ، ووعدهم بالمغفرة والرحمة ، إن هم تابوا ، ورجعوا فقال :
إِنَّهُ كانَ غَفُوراً
أي : وصفه المغفرة ، لأهل الجرائم والذنوب ، إذا فعلوا أسباب المغفرة ، وهي : الرجوع عن معاصيه ، والتوبة منها .
رَحِيماً
بهم ، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، وقد فعلوا مقتضاها ، وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي ، وحيث محا ، ما سلف من سيئاتهم ، وحيث قبل حسناتهم ، وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده ، والمقبل عليه بعد إعراضه ، إلى حالة المطيعين المنيبين إليه .