تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 681

مساهمون:

ص٦٨١
بل يقال : « ما ملكتموه » أو « ما ملكت أيمانكم » لأنهم مالكون له جملة ، لا لمفاتحه فقط . والثاني : أن بيوت المماليك ، غير خارجة عن بيت الإنسان نفسه ، لأن المملوك ، وما ملكه ، لسيده فلا وجه لنفي الحرج عنه .
أَوْ صَدِيقِكُمْ
وهذا الحرج المنفي من الأكل ، من هذه البيوت كل ذلك ، إذا كان بدون إذن ، والحكمة فيه ، معلومة من السياق ، فبيوت هؤلاء المسمين ، قد جرت العادة والعرف ، بالمسامحة في الأكل منها ، لأجل القرابة القريبة ، أو التصرف التام ، أو الصداقة ، فلو قدّر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة والشح في الأكل المذكور ، لم يجز الأكل ، ولم يرتفع الحرج ، نظرا للحكمة والمعنى . وقوله :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
فكل ذلك جائز . أكل أهل البيت الواحد جميعا ، أو أكل كل واحد منهم وحده . وهذا نفي للحرج ، لا نفي للفضيلة ، وإلا ، فالأفضل ، الاجتماع على الطعام .
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً
نكرة في سياق الشرط ، يشمل بيت الإنسان ، وبيت غيره ، سواء كان في البيت ، ساكن أم لا ، فإن دخلها الإنسان
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
أي : فليسلم بعضكم على بعض ، لأن المسلمين ، كأنهم شخص واحد ، من توادهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم . فالسلام مشروع ، لدخول سائر البيوت ، من غير فرق ، بين بيت وبيت ، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه ، ثمّ مدح هذا السّلام فقال :
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً
أي : سلامكم بقولكم : « السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » أو « السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » إذ تدخلون البيوت .
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي : قد شرعها لكم ، وجعلها تحيتكم ،
مُبارَكَةً
لاشتمالها على السلامة من النقص ، وحصول الرحمة ، والبركة ، والنماء ، والزيادة ،
طَيِّبَةً
لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند اللّه ، الذي فيه طيب نفس للمحيا ، ومحبة ، وجلب مودة . لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة قال :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها .
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
عنه ، فتفهمونها ، وتعقلونها بقلوبكم ، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة ، فإن معرفة أحكامه الشرعية ، على وجهها ، يزيد في العقل ، وينمو به اللب ، لكون معانيها ، أجل المعاني ، وآدابها أجل الآداب ، ولأن الجزاء ، من جنس العمل ، فكما استعمل عقله ، للعقل عن ربه ، وللتفكر في آياته ، التي دعاه إليها ، زاده من ذلك . وفي هذه الآيات دليل على قاعدة عامة كلية وهي : أن « العرف والعادة مخصص للألفاظ ، كتخصيص اللفظ للفظ » . فإن الأصل ، أن الإنسان ، ممنوع من تناول طعام غيره ، مع أن اللّه أباح الأكل من بيوت هؤلاء ، للعرف والعادة . فكل مسألة ، تتوقف على الإذن من مالك الشيء ، إذا علم إذنه بالقول ، أو العرف ، جاز الإقدام عليه . وفيها دليل ، على أن الأب ، يجوز له أن يأخذ ويتملك ، من مال ولده ، ما لا يضره ، لأن اللّه سمى بيته ، بيتا للإنسان . وفيها دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان ، كزوجته ، وأخته ونحوهما ، يجوز لهما ، الأكل عادة ، وإطعام السائل المعتاد . وفيها دليل ، على جواز المشاركة في الطعام ، سواء أكانوا مجتمعين ، أو متفرقين ، ولو أفضى ذلك إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض . [ 62 ] هذا إرشاد من اللّه ، لعباده المؤمنين ، أنهم إذا كانوا مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، على أمر جامع ، أي : من ضرورته أو