تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 682

مساهمون:

ص٦٨٢
مصلحته ، أن يكونوا فيه جميعا ، كالجهاد ، والمشاورة ، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها المؤمنون ، فإن المصلحة ، تقتضي اجتماعهم عليه ، وعدم تفرقهم . فالمؤمن باللّه ورسوله حقا ، لا يذهب لأمر من الأمور ، ولا يرجع لأهله ، ولا يذهب لبعض الحوائج ، التي يشذ بها عنهم ، إلا بإذن من الرسول ، أو نائبه من بعده . فجعل موجب الإيمان ، عدم الذهاب إلا بإذن ، ومدحهم على فعلهم هذا ، وأدبهم مع رسوله ، وولي الأمر منهم فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
، ولكن هل يأذن لهم أم لا ؟ ذكر لإذنه شرطين : أحدهما : أن يكون لشأن من شؤونهم ، وشغل من أشغالهم ، فأما من يستأذن من غير عذر ، فلا يؤذن له . والثاني : أن يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة ، من دون مضرة بالإذن فلذلك قال :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
، فإذا كان له عذر واستأذن ، فإن كان في قعوده وعدم ذهابه ، مصلحة برأيه ، أو شجاعته ، ونحو ذلك ، لم يأذن له . ومع هذا إذا استأذن ، وأذن له بشرطيه ، أمر اللّه رسوله ، أن يستغفر له ، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان ولهذا قال :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يغفر لهم الذنوب ، ويرحمهم ، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر . [ 63 ]
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا ، حتى إنه تجب إجابة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، في حال الصلاة ، وليس أحد إذا قال قولا ، يجب على الأمة قبول قوله ، والعمل به ، إلا الرسول ، لعصمته ، وكوننا مخاطبين باتباعه ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
، وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا ، فلا تقولوا : « يا محمد » عند ندائكم ، أو « يا محمد بن عبد اللّه » كما يقول ذلك بعضكم لبعض ، بل من شرفه وفضله وتميزه صلّى اللّه عليه وسلّم عن غيره ، أن يقال : يا رسول اللّه ، يا نبي اللّه .
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
لما مدح المؤمنين بالله ورسوله ، الّذين إذا كانوا معه على أمر جامع ، لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، توعد من لم يفعل ذلك ، وذهب من غير استئذان . فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي وهو المراد بقوله
يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً
أي : يلوذون وقت تسللهم وانطلاقهم ، بشيء يحجبهم عن العيون ، فاللّه يعلمهم وسيجازيهم على ذلك ، أتم الجزاء ، ولهذا توعدهم بقوله :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أي : يذهبون إلى بعض شؤونهم عن أمر اللّه ورسوله ، فكيف بمن لم يذهب إلى شأن من شؤونه ؟ وإنّما ترك أمر اللّه ، من دون شغل له .
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
أي : شرك وشر
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. [ 64 ]
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ملكا وعبيدا ، يتصرف فيهم بحكمه القدري ، وحكمه الشرعي .
قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
أي : قد أحاط علمه ، بما أنتم عليه ، من خير ، وشر ، وعلم جميع أعمالكم ، أحصاها علمه ، وجرى بها قلمه ، وكتبتها عليكم الحفظة الكرام الكاتبون .
وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ
أي : يوم القيامة
فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا
يخبرهم بجميع أعمالهم ، دقيقها ، وجليلها ، إخبارا مطابقا ، لما وقع منهم ويستشهد عليهم ، أعضاءهم ، فلا يعدمون منه فضلا ، أو عدلا . ولما قيد علمه بأعمالهم ، ذكر العموم بعد الخصوص ، فقال :
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
. تم تفسير سورة النور وللّه الحمد والشكر .

تفسير سورة الفرقان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] هذا بيان لعظمته الكاملة ، وتفرده بالوحدانية من كل وجه ، وكثرة خيراته وإحسانه ، فقال :
تَبارَكَ
أي :