تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
تعاظم ، وكملت أوصافه ، وكثرت خيراته ،
الَّذِي
من أعظم خيراته ونعمه ، أن
نَزَّلَ الْفُرْقانَ
الفارق بين الحلال والحرام ، والهدى والضلال ، وأهل السعادة من أهل الشقاوة .
عَلى عَبْدِهِ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي كمل مراتب العبودية ، وفاق جميع المرسلين .
لِيَكُونَ
ذلك الإنزال للفرقان على عبده
لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
، ينذرهم بأس اللّه ونقمه ، ويبين لهم ، مواقع رضا اللّه من سخطه ، حتى إن من قبل نذارته ، وعمل بها ، كان من الناجين في الدنيا والآخرة ، الّذين حصلت لهم السعادة الأبدية ، والملك السرمدي . فهل فوق هذه النعمة ، وهذا الفضل والإحسان ، شيء ؟ فتبارك الذي هذا بعض إحسانه وبركاته . [ 2 ]
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : له التصرف فيهما وحده ، وجميع من فيهما ، مماليك وعبيد له ، مذعنون لعظمته ، خاضعون لربوبيته ، فقراء إلى رحمته ، الذي
لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
. وكيف يكون له ولد ، أو شريك ، وهو المالك ، وغيره مملوك ، وهو القاهر ، وغيره مقهور ، وهو الغني بذاته ، من جميع الوجوه ، والمخلوقون ، مفتقرون إليه ، فقراء من جميع الوجوه ؟ وكيف يكون له شريك في الملك ، ونواصي العباد كلهم بيديه ، فلا يتحركون أو يسكنون ، ولا يتصرفون ، إلا بإذنه ، فتعالى اللّه عن ذلك ، علوا كبيرا ، فلم يقدره حق قدره ، من قال فيه ذلك ، ولهذا قال :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
شمل العالم العلوي ، والعالم السفلي ، من حيواناته ، ونباتاته ، وجماداته .
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
أي : أعطى كل مخلوق منها ، ما يليق به ، ويناسبه من الخلق ، وما تقتضيه حكمته ، من ذلك ، بحيث صار كل مخلوق ، لا يتصور العقل الصحيح ، أن يكون بخلاف شكله ، وصورته المشاهدة ، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد ، لا يناسبه غير محله ، الذي هو فيه . قال تعالى :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
( 3 ) ، وقال تعالى :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
. [ 3 ] ولما بين كماله وعظمته ، وكثرة إحسانه ، كان ذلك مقتضيا لأن يكون وحده ، المحبوب المألوه ، المعظم ، المفرد بالإخلاص وحده ، لا شريك له - ناسب أن يذكر بطلان عبادة ما سواه فقال :
وَاتَّخَذُوا
إلى قوله :
وَلا نُشُوراً
. أي : من أعجب العجائب ، وأول الدليل على سفههم ، ونقص عقولهم ، بل أدل على ظلمهم ، وجراءتهم على ربهم ، أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة وبلغ من عجزها ، أنها لا تقدر على خلق شيء ، بل هم مخلوقون ، بل بعضهم مما عملته أيديهم .
وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
أي : لا قليلا ولا كثيرا ، لأنه نكرة في سياق النفي فتعم .
وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
أي : بعثا بعد الموت ، فأعظم أحكام العقل ، بطلان إلهيتها ، وفسادها ، وفساد عقل من اتخذها آلهة ، وشركاء للخالق لسائر المخلوقات ، من غير مشاركة له ، في ذلك الذي بيده النفع والضر ، والعطاء والمنع ، الذي يحيي ويميت ، ويبعث من في القبور ، ويجمعهم يوم النشور ، وقد جعل لهم دارين ، دار الشقاء ، والخزي ، والنكال ، لمن اتخذ معه آلهة أخرى ، ودار الفوز والسعادة ، والنعيم المقيم ، لمن اتخذه وحده ، معبودا . [ 4 ] ولما قرر بالدليل القاطع الواضح ، صحة التوحيد وبطلان ضده ، قرر صحة الرسالة ، وبطلان قول من