تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 653

مساهمون:

ص٦٥٣
بسواء ، وتشابهت قلوبهم في الكفر ، فتشابهت أقوالهم وأفعالهم ، وجحدوا منة اللّه عليهما بالرسالة .
وَقَوْمُهُما
أي : بنو إسرائيل
لَنا عابِدُونَ
أي : معبدون بالأعمال والأشغال الشاقة كما قال تعالى :
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
( 49 ) ، فكيف نكون تابعين بعد أن كنا متبوعين ؟ وكيف يكون هؤلاء رؤساء علينا ؟ ونظير قولهم ، قول قوم نوح :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
. من المعلوم أن هذا ، لا يصلح لدفع الحق ، وأنه تكذيب ومعاندة . [ 48 ] ولهذا قال :
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
( 48 ) في الغرق في البحر ، وبنو إسرائيل ينظرون . [ 49 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى
بعد ما أهلك اللّه فرعون وخلص الشعب الإسرائيلي مع موسى ، وتمكن حينئذ ، من إقامة أمر اللّه فيهم ، وإظهار شعائره ، وعده اللّه أن ينزل عليه التوراة ، أربعين ليلة ، ذهب لميقات ربه ، قال اللّه تعالى :
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
ولهذا قال هنا :
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
أي : بمعرفة تفاصيل الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، ويعرفون ربهم ، بأسمائه وصفاته . [ 50 ]
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
أي : وامتننّا على عيسى ابن مريم ، وجعلناه وأمه ، من آيات اللّه العجيبة ، حيث حملته ، وولدته ، من غير أب ، وتكلم في المهد صبيا ، وأجرى اللّه على يديه من الآيات ، ما أجرى .
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ
أي : مكان مرتفع ، وهذا - واللّه أعلم - وقت وضعها .
ذاتِ قَرارٍ
أي : مستقر وراحة
وَمَعِينٍ
أي : ماء جار ، بدليل قوله :
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ
أي : تحت المكان الذي أنت فيه ، لارتفاعه ،
سَرِيًّا
أي : نهرا وهو الماء المعين
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً
. [ 51 ] هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات ، التي هي الرزق ، والطيب الحلال ، والشكر للّه ، بالعمل الصالح ، الذي به يصلح القلب والبدن ، والدنيا والآخرة . ويخبرهم أنه بما يعملون عليم ، فكل عمل عملوه ، وكل سعي اكتسبوه ، فإن اللّه يعلمه ، وسيجازيهم عليه ، أتم الجزاء وأفضله . فدل هذا على أن الرسل كلهم ، متفقون على إباحة الطيبات ، من المآكل وتحريم الخبائث منها ، وأنهم متفقون على كل عمل صالح ، وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات ، واختلفت بها الشرائع ، فإنها كلها عمل صالح ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة . ولهذا ، الأعمال الصالحة ، التي هي صلاح في جميع الأزمنة ، قد اتفقت عليها الأنبياء والشرائع ، كالأمر بتوحيد اللّه ، وإخلاص الدين له ، ومحبته ، وخوفه ، ورجائه ، والبر ، والصدق ، والوفاء بالعهد ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين والإحسان إلى الضعفاء والمساكين ، واليتامى ، والحنوّ والإحسان إلى الخلق ، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة ، ولهذا كان أهل العلم ، والكتب السابقة ، والعقل ، حين بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، يستدلون على نبوته بأجناس ما يأمر به ، وينهى عنه . كما جرى لهرقل وغيره ، فإنه إذا أمر بما أمر به الأنبياء ، الذين من قبله ، ونهى عما نهوا عنه ، دل على أنه من جنسهم ، بخلاف الكذاب ، فلا بد أن يأمر بالشر ، وينهى عن الخير . [ 52 ] ولهذا قال تعالى للرسل :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ
أي : جماعتكم - يا معشر الرسل -
أُمَّةً واحِدَةً
متفقة على دين واحد ، وربكم واحد .
فَاتَّقُونِ
بامتثال أوامري ، واجتناب زواجري ، وقد أمر اللّه المؤمنين ، بما أمر به المرسلين ، لأنهم بهم يقتدون ، وخلفهم يسلكون ، فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
فالواجب على كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم ، أن يمتثلوا هذا ، ويعملوا به ، ولكن أبى الظالمون الجاحدون ، إلا عصيانا ، ولهذا قال : [ 53 ]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً
أي : تقطع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء
أَمْرَهُمْ
أي : دينهم
بَيْنَهُمْ زُبُراً
أي : قطعا
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ
أي : بما عندهم من العلم والدين .
فَرِحُونَ
يزعمون أنهم المحقون ، وغيرهم على غير الحق ، مع أن المحق منهم ، من كان على طريق الرسل ، من أكل الطيبات ، والعمل الصالح ، وما عداهم ، فإنهم