تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
ما يعدكم به ، من البعث ، بعد أن تمزقتم ، وكنتم ترابا وعظاما ، فنظروا نظرا قاصرا ، ورأوا هذا ، بالنسبة إلى قدرهم غير ممكن ، فقاسوا قدرة الخالق بقدرتهم . تعالى اللّه عن ذلك . فأنكروا قدرته على إحياء الموتى وعجزوه غاية التعجيز ، ونسوا خلقهم أول مرة ، وأن الذي أنشأهم من العدم ، فإعادته لهم بعد البلى ، أهون عليه وكلاهما هين لديه ، فلم لا ينكرون أول خلقهم ، ويكابرون المحسوسات ، ويقولون : إننا ، لم نزل موجودين ، حتى يسلم لهم إنكارهم البعث ، وينتقلوا معهم إلى الاحتجاج على إثبات وجود الخالق العظيم ؟ وهنا دليل آخر ، وهو : أن الذي أحيا الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيي الموتى ، إنه على كل شيء قدير ، وثمّ دليل آخر ، وهو ما أجاب به المنكرين للبعث في قوله :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ
( 3 ) فقال في جوابهم :
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ
أي : في البلى ،
وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ
. [ 37 - 41 ]
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا
أي : يموت أناس ، ويحيا أناس
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
« 1 » فلهذا أتى بما أتى به ، من توحيد اللّه ، وإثبات المعاد
فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ
أي : ارفعوا عنه العقوبة بالقتل وغيره ، احتراما له ، ولأنه مجنون غير مؤاخذ بما يتكلم به . أي : فلم يبق بزعمهم الباطل ، مجادلة معه ، لصحة ما جاء به ، فإنهم قد زعموا بطلانه ، وإنما بقي الكلام ، هل يوقعون به أم لا ؟ فبزعمهم أن عقولهم الرزينة ، اقتضت الإبقاء عليه ، وترك الإيقاع به ، مع قيام الموجب ، فهل فوق هذا العناد والكفر غاية ؟ ولهذا لما اشتد كفرهم ، ولم ينفع فيهم الإنذار ، دعا عليهم نبيهم ف :
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
أي : بإهلاكهم ، وخزيهم الدنيوي ، قبل الآخرة . ف
قالَ
اللّه مجيبا لدعوته :
عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ
لا بالظلم والجور ، بل بالعدل وظلمهم ، أخذتهم الصيحة ، فأهلكتهم عن آخرهم .
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
أي : هشيما يبسا بمنزلة غثاء السيل الملقى في جنبات الوادي ، وقال في الآية الأخرى :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ
( 31 ) .
فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي : أتبعوا مع عذابهم ، البعد واللعنة والذم من العالمين .
فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ
( 29 ) ، هذا التعبير مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم ، وفيه تهكم بهم ، وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده ، فيقال عنه : « بكت عليه السماء والأرض » . ومنه ما روي : « أن المؤمن إذا مات ، ليبكي عليه مصلاه ، ومحل عبادته ، ومصاعد عمله ، ومهابط رزقه ، وآثاره في الأرض » ، وعن الحسن « يبكي عليه أهل السماء والأرض » .
وَما كانُوا
لما جاءهم وقت هلاكهم
مُنْظَرِينَ
أي : ممهلين إلى وقت آخر ، بل عجل لهم العذاب في الدنيا ، والمعنى الإجمالي : فما حزنت عليهم السماء والأرض عندما أخذهم العذاب ، لهوان شأنهم ، لأنهم ماتوا كفارا ، ولم ينظروا لتوبة ، ولم يمهلوا
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ، وجرى عليه تفسير الآية [ 25 ] من سورة المؤمنون ، وهو خطأ ، وفي المصحف الشريف الآية [ 38 ]إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ، فتأمل .