تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
[ 27 ]
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ
عند استجابتنا له ، سببا ، ووسيلة للنجاة ، قبل وقوع أسبابه .
أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ
أي : السفينة
بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
أي : بأمرنا لك ، ومعونتنا ، وأنت في حفظنا وكلاءتنا بحيث نراك ونسمعك .
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا
بإرسال الطوفان الذي عذبوا به
وَفارَ التَّنُّورُ
، أي : فارت الأرض ، وتفجرت عيونا ، حتى محل النار ، الذي لم تجر العادة إلا ببعده من الماء .
فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
أي : أدخل في الفلك من كل جنس من الحيوانات ، ذكرا وأنثى ، تبقى مادة النسل لسائر الحيوانات ، التي اقتضت الحكمة الربانية إيجادها في الأرض .
وَأَهْلَكَ
أي : أدخلهم
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
كابنه .
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : لا تدعني أن أنجيهم ، فإن القضاء والقدر ، قد حتم أنهم مغرقون . [ 28 ]
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
أي : علوتم عليها ، واستقلت بكم في تيار الأمواج ، ولجج اليم ، فاحمدوا اللّه على النجاة والسلامة . فقل الحمد للّه الذي نجانا من القوم الظالمين ، وهذا تعليم منه له ، ولمن معه ، أن يقولوا هذا شكرا له ، وحمدا على نجاتهم ، من القوم الظالمين في عملهم وعذابهم . [ 29 ]
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
( 29 ) أي : وبقيت عليكم نعمة أخرى ، فادعوا اللّه فيها ، وهي أن ييسر اللّه لكم منزلا مباركا ، فاستجاب اللّه دعاءه ، قال اللّه :
وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
إلى أن قال :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
الآية . [ 30 ]
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي : في هذه القصة
لَآياتٍ
تدل على أن اللّه وحده المعبود ، وعلى أن رسوله نوحا ، صادق ، وأن قومه كاذبون ، وعلى رحمة اللّه بعباده ، حيث حملهم في صلب أبيهم نوح ، في الفلك لما غرق أهل الأرض . والفلك أيضا من آيات اللّه قال تعالى :
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
( 15 ) ولهذا جمعها هنا لأنها تدل على عدة آيات ومطالب .
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
. [ 31 ] لما ذكر نوحا وقومه ، وكيف أهلكهم قال :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
( 31 ) ، الظاهر أنهم « ثمود » قوم صالح ، عليه السلام لأن هذه القصة ، تشبه قصتهم . [ 32 ]
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
من جنسهم ، يعرفون نسبه وحسبه ، وصدقه ، ليكون ذلك أسرع لانقيادهم ، إذا كان منهم ، وأبعد عن اشمئزازهم ، فدعا إلى ما دعت إليه الرسل أممهم
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
، فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة ، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم ، الأمر بعبادة اللّه ، والإخبار أنه المستحق لذلك ، والنهي عن عبادة ما سواه ، والإخبار ببطلان ذلك وفساده . ولهذا قال :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
ربكم ، فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام . [ 33 ]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر والمعاندة ، وإنكار البعث والجزاء ، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا ، معارضة لنبيهم ، وتكذيبا ، وتحذيرا منه :
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي : من جنسكم
يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
، فما الذي يفضله عليكم ؟ فهلا كان ملكا ، لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب . [ 34 ]
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
( 34 ) أي : إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا ، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل ، نادمون على ما فعلتم . وهذا من العجب ، فإن الخسارة والندامة حقيقة ، لمن لم يتابعه ، ولم ينقد له . والجهل والسفه العظيم ، لمن تكبر عن الانقياد لبشر ، خصه اللّه بوحيه ، وفضله برسالته ، وابتلي بعبادة الشجر والحجر . وهذا نظير قولهم :
فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
( 25 ) ، فلما أنكروا رسالته وردوها ، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت ، والمجازاة على الأعمال فقالوا : [ 35 - 36 ]
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 ) * هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
( 36 ) أي : بعيد بعيد