تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 648

مساهمون:

ص٦٤٨
فتقع على الأرض ، ولا ننسى ذرة في لجج البحار ، وجوانب الفلوات ، ولا دابة إلا سقنا إليها رزقا
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
. وكثير ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه كقوله :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
( 14 ) ،
بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
لأن خلق المخلوقات ، من أقوى الأدلة العقلية ، على علم خالقها وحكمته . [ 18 - 19 ]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
يكون رزقا لكم ولأنعامكم ، بقدر ما يكفيكم ، فلا ينقصه ، بحيث يتلف المساكن ، ولا تعيش منه النباتات والأشجار ، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله ، ثم صرفه ، عند التضرر من دوامه .
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
أي : أنزلناه عليها ، فسكن واستقر ، وأخرج بقدرة منزله ، جميع الأزواج النباتية ، وأسكنه أيضا معدا ، في خزائن الأرض ، بحيث لم يذهب نازلا ، حتى لا يوصل إليه ، ولا يبلغ قعره .
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
، إما بأن لا ننزله ، أو ننزله ، فيذهب نازلا ، لا يوصل إليه ، أو لا يوجد منه المقصود منه ، وهذا تنبيه منه لعباده ، أن يشكروه على نعمته ، ويقدروا عدمها ، ما ذا يحصل به من الضرر ، كقوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
( 30 ) .
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ
أي : بذلك الماء
جَنَّاتٍ
أي : بساتين
مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
. خص تعالى ، هذين النوعين ، مع أنه ينشر منه غيرهما من الأشجار ، لفضلهما ، ومنافعهما ، التي فاقت بها الأشجار ، ولهذا ذكر العام في قوله :
لَكُمْ
أي : في تلك الجنات
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
من تين ، وأترج ، ورمان ، وتفاح وغيرها . [ 20 ]
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ
وهي شجرة الزيتون ، أي : جنسها . خصت بالذكر ، لأن مكانها خاص ، في أرض الشام ، ولمنافعها ، التي ذكر بعضها في قوله :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
أي : فيها الزيت ، الذي هو دهن ، يكثر استعماله من الاستصباح به ، واصطباغ للآكلين ، أي : يجعل إداما للآكلين ، وغير ذلك من المنافع . [ 21 ] أي : ومن نعمه عليكم ، أن سخر لكم الأنعام من الإبل ، والبقر ، والغنم ، فيها عبرة للمعتبرين ، ومنافع ، للمنتفعين .
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها
من لبن ، يخرج من بين فرث ودم ، لبن ، خالص ، سائغ للشاربين .
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ
من أصوافها ، وأوبارها ، وأشعارها ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ، تستخفونها يوم ظعنكم ، ويوم إقامتكم
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
أفضل المآكل من لحم وشحم . [ 22 ]
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
( 22 ) أي : جعلها لكم في البر ، تحملون عليها أثقالكم إلى بلد ، لم تكونوا بالغيه ، إلا بشق الأنفس ، كما جعل لكم السفن في البحر ، تحملكم ، وتحمل متاعكم ، قليلا كان ، أو كثيرا . فالذي أنعم بهذه النعم ، وصنف أنواع الإحسان ، وأدر علينا من خيره المدرار ، هو الذي يستحق كمال الشكر ، وكمال الثناء ، والاجتهاد في عبوديته وأن لا يستعان بنعمه على معاصيه . [ 23 ] يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله ، نوح عليه السلام ، أو رسول أرسله لأهل الأرض فأرسله إلى قومه ، وهم يعبدون الأصنام ، فأمرهم بعبادة اللّه وحده
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
أي : أخلصوا له العبادة ، لأن العبادة ، لا تصح إلا بإخلاصها .
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
فيه إبطال ألوهية غير اللّه ، وإثبات الإلهية للّه تعالى ، لأنه الخالق الرازق ،