تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 642

مساهمون:

ص٦٤٢
فسأل كلّ منهم ما بلغت أمنيته ، فأعطاهم فوق أمانيهم ، ما نقص ذلك من ملكه شيئا ، ومن غناه أنّ يده سحّاء بالخير والبركات ، الليل والنهار ، لم يزل إفضاله على الأنفاس . ومن غناه وكرمه ، ما أودعه في دار كرامته ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
الْحَمِيدُ
أي : المحمود في ذاته ، وفي أسمائه ، لكونها حسنى ، وفي صفاته ، لكونها كلها صفات كمال ، وفي أفعاله ، لكونها دائرة بين العدل والإحسان ، والرحمة ، والحكمة . وفي شرعه ، لكونه لا يأمر إلّا بما فيه مصلحة خالصة ، أو راجحة ، ولا ينهى إلّا عما فيه ، مفسدة خالصة أو راجحة ، الذي له الحمد ، الذي يملأ ما في السماوات والأرض ، وما بينهما ، وما شاء بعدهما ، الذي لا يحصي العباد ثناء على حمده ، بل هو كما أثنى على نفسه ، وفوق ما يثني عليه عباده ، وهو المحمود على توفيق من يوفقه ، وخذلان من يخذله ، وهو الغني في حمده ، الحميد في غناه . [ 65 ] أي : ألم تشاهد ببصرك وقلبك ، نعمة ربك السابغة ، وأياديه الواسعة .
أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ
من حيوانات ، ونبات ، وجمادات ، فجميع ما في الأرض ، مسخر لبني آدم ، حيواناتها ، لركوبه ، وحمله ، وأعماله ، وأكله ، وأنواع انتفاعه ، وأشجارها ، وثمارها ، يقتاتها ، وقد سلط على غرسها واستغلالها ، ومعادنها ، يستخرجها ، وينتفع بها .
وَالْفُلْكَ
أي : وسخر لكم الفلك ، وهي السفن
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
تحملكم ، وتحمل تجاراتكم ، وتوصلكم من محل إلى محل ، وتستخرجون من البحر ، حلية تلبسونها . ومن رحمته بكم أنه
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ
فلو لا رحمته وقدرته ، لسقطت السماء على الأرض ، فتلف ما عليها ، وهلك من فيها
* إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 41 ) .
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
أرحم بهم من والديهم ، ومن أنفسهم ، ولهذا يريد لهم الخير ، ويريدون لأنفسهم الشر والضر . ومن رحمته ، أن سخر لهم ، ما سخر من هذه الأشياء . [ 66 ]
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ
وأوجدكم من العدم
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
بعد أن أحياكم .
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
بعد موتكم ، ليجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته .
إِنَّ الْإِنْسانَ
أي : جنسه ، إلّا من عصمه اللّه
لَكَفُورٌ
لنعم اللّه ، كفور باللّه ، لا يعترف بإحسانه ، بل ربما كفر بالبعث وقدرة ربه . [ 67 ] يخبر تعالى أنه جعل لكلّ أمّة منسكا أي : معبدا وعبادة ، قد تختلف في بعض الأمور ، مع اتفاقها على العدل والحكمة ، كما قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ
الآية .
هُمْ ناسِكُوهُ
أي : عاملون عليه ، بحسب أحوالهم ، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع ، خصوصا من الأميين ، أهل الشرك ، والجهل المبين . فإنه إذا ثبتت رسالة الرسول بأدلتها ، وجب أن يتلقى جميع ما جاء به بالقبول والتسليم ، وترك الاعتراض ، ولهذا قال :
فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ
أي : لا ينازعك المكذبون لك ، ويعترضوا على بعض ما جئتهم به ، بعقولهم الفاسدة ، مثل منازعتهم في حل الميتة ، بقياسهم الفاسد يقولون : « تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل اللّه » . وكقولهم :
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
ونحو ذلك من اعتراضاتهم ، التي