تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 593

مساهمون:

ص٥٩٣
فيتركه ، فإن القول اللين ، داع لذلك ، والقول الغليظ ، منفر عن صاحبه ، وقد فسر القول اللين في قوله :
فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
( 19 ) ، فإن في هذا الكلام ، من لطف القول ، وسهولته ، وعدم بشاعته ، ما لا يخفى على المتأمل ، فإنه أتى ب « هل » الدالة على العرض والمشاورة ، التي لا يشمئز منها أحد ، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس ، التي أصلها ، التطهر من الشرك ، الذي يقبله كل عقل سليم ، ولم يقل « أزكيك » بل قال « تزكى » أنت بنفسك . ثم دعاه إلى سبيل ربه ، الذي رباه ، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ، التي ينبغي مقابلتها بشكرها ، وذكرها فقال :
وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
( 19 ) فلما لم يقبل هذا الكلام اللين ، الذي يأخذ حسنه بالقلوب ، علم أنه لا ينجع فيه تذكير ، فأخذه اللّه أخذ عزيز مقتدر . [ 45 ]
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا
أي : يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا ، قبل أن نبلغه ، رسالاتك ، ونقيم عليه الحجة
أَوْ أَنْ يَطْغى
أي : يتمرد عن الحق ، ويطغى بملكه ، وسلطانه ، وجنده ، وأعوانه . [ 46 ]
قالَ لا تَخافا
أن يفرط عليكما
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
أي : أنتما بحفظي ورعايتي ، أسمع قولكما ، وأرى جميع أحوالكما ، فلا تخافا منه ، فزال الخوف عنهما ، واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما . [ 47 ] أي : فأتياه بهذين الأمرين ، دعوته إلى الإسلام ، وتخليص هذا الشعب الشريف ، بني إسرائيل ، من قيده وتعبيده لهم ، ليتحرروا ويملكوا أمرهم ، ويقيم فيهم موسى ، شرع اللّه ودينه .
قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ
تدل على صدقنا
فَأَلْقى *
موسى
عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ *
( 33 ) إلى آخر ما ذكر اللّه عنهما .
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
أي : من اتبع الصراط المستقيم ، واهتدى بالشرع المبين ، حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة . [ 48 ]
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا
أي : خبرنا من عند اللّه ، لا من عند أنفسنا
أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
أي : كذب بأخبار اللّه ، وأخبار رسله ، وتولى عن الانقياد لهم ، واتباعهم ، وهذا فيه الترغيب لفرعون بالإيمان والتصديق واتباعهما ، والترهيب من ضد ذلك ، ولكن لم يفد فيه هذا الوعظ والتذكير ، فأنكر ربه ، وكفر ، وجادل في ذلك ، ظلما وعنادا . [ 49 - 50 ] أي : قال فرعون لموسى على وجه الإنكار :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
، فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح فقال :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
أي : ربنا الذي خلق جميع المخلوقات ، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به ، على حسن صنعه من خلقه ، من كبر الجسم وصغره ، وتوسطه ، وجميع صفاته ،
ثُمَّ هَدى
كل مخلوق إلى ما خلقه له ، وهذه الهداية الكاملة المشاهدة في جميع المخلوقات . فكل مخلوق ، تجده يسعى لما خلق له من المنافع ، وفي دفع المضار عنه ، حتى إن اللّه أعطى الحيوان البهيم ، من العقل ، ما يتمكن به من ذلك . وهذا كقوله تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
، فالذي خلق المخلوقات ، وأعطاها خلقها الحسن ، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه ، وهداها لمصالحها ، هو الرب على الحقيقة ، فإنكاره ، إنكار لأعظم الأشياء وجودا ، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب ، فلو قدر أن الإنسان ، أنكر من الأمور المعلومة ، ما أنكر ، كان إنكاره لرب العالمين ، أكبر من ذلك . [ 51 ] ولهذا لما لم يمكن فرعون ، أن يعاند هذا الدليل القاطع ، عدل إلى المشاغبة ، وحاد عن المقصود فقال لموسى :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
، أي : ما شأنهم ، وما خبرهم ؟ وكيف وصلت بهم الحال ، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر ، والظلم ، والعناد ، ولنا فيهم أسوة ؟ [ 52 ] فقال موسى :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
أي : قد أحصى أعمالهم من خير وشر ، وكتبه في كتابه ، وهو اللوح المحفوظ ، وأحاط به علما وخبرا فلا يضل عن شيء منها ، ولا ينسى ما علمه منها . ومضمون ذلك ، أنهم قدموا إلى ما قدموه ، ولا قوا أعمالهم ، وسيجازون عليها ، فلا معنى لسؤالك واستفهامك ، يا فرعون ، عنهم ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ، ولكم ما كسبتم ، فإن كان الدليل الذي أوردناه ، عليك ،