تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
والإحسان إليه ، دل على عناية من اللّه له واصطفاء ، وتخصيص تقتضيه رحمة اللّه وحكمته .
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ
أي : مقاصد
أُخْرى
غير هذين الأمرين . [ 19 - 20 ] ومن أدب موسى عليه السّلام ، أن اللّه لما سأله عما في يمينه ، وكان السؤال محتملا عن السؤال عن عينها ، أو منفعتها - أجابه بعينها ، ومنفعتها . فقال اللّه له :
أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
( 20 ) انقلبت بإذن اللّه ثعبانا عظيما ، فولى موسى هاربا خائفا ، ولم يعقب . وفي وصفها بأنها تسعى ، إزالة لوهم يمكن وجوده ، وهو أن يظن أنها تخييل ، لا حقيقة ، فكونها تسعى يزيل هذا الوهم . [ 21 ] فقال اللّه لموسى :
خُذْها وَلا تَخَفْ
أي : ليس عليك منها بأس .
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
أي : هيئتها وصفتها ، إذ كانت عصا ، فامتثل موسى أمر اللّه ، إيمانا به ، وتسليما ، فأخذها ، فعادت عصاه التي كان يعرفها ، هذه آية . [ 22 ] ثم ذكر الآية الأخرى فقال :
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
أي : أدخل يدك إلى جيبك ، وضم عليك عضدك ، الذي هو جناح الإنسان
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي : بياضا ساطعا ، من غير عيب ولا برص
آيَةً أُخْرى
. قال اللّه :
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
. [ 23 ]
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى
( 23 ) أي : فعلنا ما ذكرنا ، من انقلاب العصا حية تسعى ، ومن خروج اليد بيضاء للناظرين ، لأجل أن نريك من آياتنا الكبرى ، الدالة على صحة رسالتك ، وحقيقة ما جئت به ، فيطمئن قلبك ، ويزداد علمك ، وتثق بوعد اللّه لك ، بالحفظ والنصرة ، ولتكون حجة وبرهانا ، لمن أرسلت إليهم . [ 24 ] لما أوحى اللّه إلى موسى ، ونبأه ، وأراه الآيات الباهرات ، أرسله إلى فرعون ، ملك مصر فقال :
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى
( 24 ) أي : تمرد وزاد على الحد ، في الكفر والفساد ، والعلو في الأرض ، والقهر للضعفاء ، حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية ، قبحه اللّه ، أي : وطغيانه سبب لهلاكه . ولكن من رحمة اللّه ، وحكمته ، وعدله ، أنه لا يعذب أحدا ، إلّا بعد قيام الحجة بالرسل ، فحينئذ علم موسى عليه السّلام ، أنه تحمل حملا عظيما ، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد ، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق ، وموسى عليه السّلام ، وحده ، وقد جرى منه ما جرى من القتل ، فامتثل أمر ربه ، وتلقاه بالانشراح والقبول ، وسأله المعونة ، وتيسير الأسباب ، التي هي من تمام الدعوة فقال : [ 25 ]
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
أي : وسعه وأفسحه ، لأتحمل الأذى القولي والفعلي ، ولا يتكدر قلبي بذلك ، ولا يضيق صدري ، فإن الصدر إذا ضاق ، لم يصلح صاحبه لهداية الخلق ، ودعوتهم . قال اللّه لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه عليهم . [ 26 ]
وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي
( 26 ) أي : سهل عليّ كل أمر أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك ، وهوّن عليّ ما أمامي