تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
والآيات التي أريناكها ، قد تحققت صدقها ويقينها ، وهو الواقع ، فانقد إلى الحق ، ودع عنك الكفر والظلم ، وكثرة الجدال بالباطل ، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستيقنة ، فالطريق مفتوح وباب البحث غير مغلق فرد الدليل بالدليل ، والبرهان بالبرهان ، ولن تجد لذلك سبيلا ، ما دام الملوان . كيف وقد أخبر اللّه عنه ، أنه جحدها مع استيقانها ، كما قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
، وقال موسى :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
، فعلم أنه ظالم في جداله ، قصده ، العلو في الأرض . [ 53 ] ثم استطرد في هذا الدليل القاطع ، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري ، فقال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
أي : فراشا بحالة تتمكنون من السكون فيها ، والقرار ، والبناء ، والغراس ، وإثارتها للازدراع وغيره ، وذللها لذلك ، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم .
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
أي : نفذ لكم الطرق الموصلة . من أرض ، إلى أرض ، ومن قطر إلى قطر ، حتى كان الآدميون ، يتمكنون من الوصول إلى جميع الأرض بأسهل ما يكون ، وينتفعون بأسفارهم ، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم .
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى
أي : أنزل المطر
فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها *
وأنبت بذلك جميع أصناف النباتات على اختلاف أنواعها ، وتشتت أشكالها ، وتباين أحوالها ، فساقه ، وقدره ، ويسره ، ورزقا لنا ولأنعامنا ، ولولا ذلك ، لهلك من عليها من آدمي وحيوان . [ 54 ] ولهذا قال :
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
وساقها على وجه الامتنان ، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النباتات الإباحة ، فلا يحرم منها ، إلّا ما كان مضرا ، كالسموم ونحوه .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
أي : لذوي العقول الرزينة ، والأفكار المستقيمة على فضل اللّه ، وإحسانه ، ورحمته ، وسعة جوده ، وتمام عنايته ، وعلى أنه الرب المعبود ، المالك المحمود ، الذي لا يستحق العبادة سواه ، ولا الحمد والمدح والثناء ، إلّا من امتن بهذه النعم ، وعلى أنه على كل شيء قدير ، فكما أحيا الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيي الموتى . وخص اللّه أولي النهى بذلك ، لأنهم المنتفعون بها ، الناظرون إليها نظر اعتبار . وأما من عداهم ، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة ، والأنعام السائمة ، لا ينظرون إليها نظر اعتبار ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها ، بل حظهم ، حظ البهائم ، يأكلون ويشربون ، وقلوبهم لاهية ، وأجسادهم معرضة .
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
( 105 ) . [ 55 ] ولما ذكر كرم الأرض ، وحسن شكرها لما ينزله اللّه عليها من المطر ، وأنها بإذن ربها ، تخرج النبات المختلف الأنواع - أخبر أنه خلقنا منها ، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها ، ومنها يخرجنا تارة أخرى . فكما أوجدنا منها من العدم ، وقد علمنا ذلك ، وتحققناه ، فسيعيدنا بالبعث منها بعد موتنا ، ليجازينا بأعمالنا ، التي عملناها عليها . وهذان دليلان على الإعادة عقليان واضحان : إخراج النبات من الأرض بعد موتها ، وإخراج المكلفين منها في إيجادهم . [ 56 - 58 ] يخبر تعالى ، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع ، جميع أنواعها العيانية ، والأفقية والنفسية ، فما استقام ولا ارعوى ، وإنما كذب وتولى . كذب الخبر ، وتولى عن الأمر والنهي ، وجعل الحق باطلا ، والباطل
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 594 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي